التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (104) . فأخبر نصًّا صريحًا أنه يقبل توبة عباده الخصوص،
أضافهم إلى نفسه لحبهم وأثرتهم عنده، وبقي الآخرون على حكم الوقف، فبين
الحكم فيهم وفي هذه الآيات من آل عمران.
(فصل)
ومرجوع قوله جل قوله:"إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ"من مشيئتي بهم، وتقدم من حكمي
فيهم كقوله جلَّ قوله:"هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون، وهؤلاء للنار"
وبحمل أهل النار يعملون"."
وقوله جلَّ قوله:"هؤلاء للجنة ولا أبالي، وهؤلاء للنار ولا أبالي".
مثال ذلك: رجل عاش مؤمنا، ورجل عاش كافرا ومات مؤمنا، فهذان قد
شملهما قوله جل قوله:"هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون"كما شملهما قوله
جل قوله:"هؤلاء للجنة ولا أبالي"أي ذنوب تكون منهم.
ورجل عاش كافرًا ومات كافرًا، ورجل عاش مؤمنا ومات كافرًا، فهذان
شملهما قوله:"هؤلاء للنار ولا أبالي"بإيمان من آمن ولم يمت على إيمانه، ولا
بعمل كافر وإن بلغ به ما بلغ مما عسى أن يبلغه حبطت أعمالهم، (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا
عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (23) .
وقال الله - جلَّ جلالُه - في شأن الفريقين: (إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ(57)
وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (58) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (59)
إلى قوله جل قوله: (بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا) يريد:
الفريق الخاسر.
ثم قال جل قوله: (وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ(63) .
فهذا معنى ما توجه إليه معنى قوله الحق جلَّ قوله: (إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ) مني؛ يعني: من
ردِّ هؤلاء وقبول هؤلاء، فتقدير الأول منها على ما انتظم عليه بمعناه:"ولا تنكحوا"
ما نكح آباؤكم من النساء إنه كان فاحشة ومقتًا وساء سبيلاً"."
وتقديره في موضعه على معناه:(إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ
بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ)إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ (وَكَانَ اللَّهُ