والمنادي للإِيمان والداعي إليه: قد يكون العقل.
وكتابه المنزَّل ، ورسوله المرسل ، وآياته الدالة.
وإن كان الأظهر فِي هذا الموضع أن يكون الرسول.
لقوله: (اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ) ،
وقوله: (أَنْ آمِنُوا) يعني أي آمنوا ، أو بأن آمنوا.
إن قيل: فعلى أي وجه قال: (فَآمَنَّا) ؟ أعلى طريق الامتنان ، أو
الإِعلام. فإن كُلًّا مستشنع إيراده على الله تعالى ؟
قيل: بل على طريق الامتثال ، وليس هذا إشارة إلى أنهم قالوه نطقاً فقط ، بل إلى أنهم حققوه فعلًا.
إن قيل: كيف جعل غُفران الذنوب وتكفير السيئات قبل التوقِّي ؟
قيل: لأن تمام غُفران الذنوب وتكفير السيئات أن يوفّق العبد فِي الدنيا لمرضاته ، ويحرسه عن تعاطي السيئات ، ليكتسب ما يترشح به
لاستحقاق الثواب.
وقوله: (وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ) نحو ما حكى عن غيره فِي قوله: (تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ)
وفيه تنبيه أنهم لا يكرهون لقاء الله.
وقد قال - صلى الله عليه وسلم -:"من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه".
قوله تعالى: (رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ(194)
إن قيل: ما فائدةُ استنجازِ وعده مع العلم بأنه لا يُخلف ؟
قيل: إن وعده تعالى عِبادَه على طريق الجملة ، نحو قوله تعالى:
(وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) .
وليس هذا السؤال خوفاً من إخلاف وعده ، ولكن سؤالا أن
يرشحه لأن يكون من جملة من دخل فِي الوعد.
ولهذا قال: (إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ) تنبيهاً أني لست أخشى خُلْفَ وعدك ، لكني أخشى أن لا أكون من جملة الموعودين.