وقد قيل ذلك هو على جهة العبادة ، وقد تقدم أن ليس القصد التفوُّه بذلك ، بل فعل ما يقتضيه.
وقوله: (عَلَى رُسُلِكَ) أي على ألسنتهم ، وعلى ما وعدت بإجابتهم.
قوله تعالى: (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ(195)
استجاب: أراد إجابتهم ، والاستجابة فِي الحقيقة غير الإِجابة.
وإن كان يفهم منه ذلك ، وقول الشاعر:
وداعٍ دعا بعد الهدوءِ من السرى ... فلم يستجبه عند ذاك مجيبُ
فهو أبلغ من قولك: لم يجبه ، إذ فيه تنبيه أنه تعالى لا يضيع
عمل من لم يخرج عن الإِيمان بشرك ، كما قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) .
وذَكَر الذكر والأنثى ، فقد رُوي أنّ أمّ سلمة قالت: يا رسول الله ، ما بال
الرجال يُذكرون فِي الهجرة دون النساء ؟
فأنزل الله ذلك ،
و (مِن) للتبيين ، أو لاستغراق الجنس لتقدُّم النفي.
إن قيل: ما معنى قوله: (بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ) فِي هذا الموضع ؟
قيل: تنبيهاً أن الأنوثية والذكورية لا تقتضي اختلاف الحكم فِي هذا الباب ، وإنما الاعتبار بالأعمال والنيات ، فمن قصد فيما يتحراه وجه الله فله
بقدره ثواب ، ثم بيّن أنّ للذين هاجروا فضل رتبة ، كما قال:
(وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا(95) دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً).