وتارة يكون الإحكام فِي التأويل والمعنى ، وهو تمييز الحقيقة المقصودة من غيرها ، حتى لا تشتبه بغيرها . وفي مقابلة المحكمات الآيات المتشابهات التي تشبه هذا وتشبه هذا . فتكون محتملة للمعنيين ، ولم يقل فِي المتشابه: ولا يعلم تفسيره ومعناه إلا الله ، وإنما قال: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ} وهذا هو فصل الخطاب بين المتنازعين فِي هذا الموضع . فإن الله أخبر أنه لا يعلم تأويله إلا هو . والوقف هنا ، على ما دل عليه أدلة كثيرة ، وعليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وجمهور التابعين ، وجماهير الأمة . ولكن لم ينفِ علمهم بمعناه وتفسيره ، بل قال: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ} [ص: 29] . وهذا يعم الآيات المحكمات والآيات المتشابهات . وما لا يعقل له معنى لا يتدبر ، وقال: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ} [النساء: 82] .
ولم يستثن شيئاً منه نهى عن تدبره . والله ورسوله إنما ذم من اتبع المتشابه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ، فأما من تدبر المحكم والمتشابه كما أمره الله وطلب فهمه ومعرفة معناه ، فلم يذمه الله ، بل أمر بذلك ومدح عليه .