وجماع ذلك أن الإحكام تارة يكون فِي التنزيل . فيكون فِي مقابلته ما يلقيه الشيطان . فالمحكم المنزل من عند الله أحكمه الله ، أي: فصله من الاشتباه بغيره ، وفصل منه ما ليس منه ، فإن الإحكام هو الفصل والتمييز والفرق والتحديد الذي به يتحقق الشيء ويحصل إتقانه ، ولهذا دخل فيه معنى المنع ، كما دخل فِي الحد بالمنع جزء معناه ، لا جميع معناه ، وتارة يكون فِي إبقاء التنزيل عند من قابله بالنسخ الذي هو رفع ما شرع ، وهو اصطلاحي . أو يقال: وهو أشبه: السلف كانوا يسمون كل رفع نسخاً ، سواء كان رفع حكم ، أو رفع دلالة ظاهرة ، فكل ظاهر ترك ظاهره لمعارض راجح كتخصيص العام وتقييد المطلق ، فهو منسوخ فِي اصطلاح السلف ، وإلقاء الشيطان فِي أمنيته قد يكون فِي نفس لفظ المبلِّغ ، وقد يكون فِي مسمع المبلِّغ ، وقد يكون فِي فهمه ، كما قال: {أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا} [الرعد: 17] . ومعلوم أن من سمع ، سمع النص الذي قد رفع حكمه ، أو دلالة له ، فإنه يلقى الشيطان فِي تلك التلاوة اتباع ذلك المنسوخ ، فيحكم الله آياته بالناسخ الذي به رفع الحكم ، وبان المراد . وعلى هذا التقدير ، فيصح أن يقال: المتشابه والمنسوخ ، بهذا الاعتبار . والله أعلم .