والمرتبة الثالثة: أنهم وسائط بين الله وبين البشر ، فكل قسم منهم متوكل على قسم من أقسام هذا العالم ، كما قال سبحانه: {والصافات صَفَّا فالزجرات زَجْراً} [الصافات: 1 ، 2] وقال: {والذاريات ذَرْواً فالحاملات وِقْراً} [الذاريات: 1 ، 2] وقال: {والمرسلات عُرْفاً * فالعاصفات عَصْفاً} [المرسلات: 1 ، 2] وقال: {والنازعات غَرْقاً * والناشطات نَشْطاً} [النازعات: 1 ، 2] ولقد ذكرنا فِي تفسير هذه الآيات أسراراً مخفية ، إذا طالعها الراسخون فِي العلم وقفوا عليها.
والمرتبة الرابعة: أن كتب الله المنزلة إنما وصلت إلى الأنبياء بواسطة الملائكة ، قال الله تعالى: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِى قُوَّةٍ عِندَ ذِى العرش مَكِينٍ مطاع ثَمَّ أَمِينٍ} [التكوير: 19 ، 20 ، 21] فهذه المراتب لا بد منها فِي حصول الإيمان بالملائكة ، فكلما كان غوص العقل فِي هذه المراتب أشد كان إيمانه بالملائكة أتم.
وأما الإيمان بالكتب: فلا بد فيه من أمور أربعة أولها: أن يعلم أن هذه الكتب وحي من الله تعالى إلى رسوله ، وأنها ليست من باب الكهانة ، ولا من باب السحر ، ولا من باب إلقاء الشياطين والأرواح الخبيثة وثانيها: أن يعلم أن الوحي بهذه الكتب وإن كان من قبل الملائكة المطهرين ، فالله تعالى لم يمكن أحداً من الشياطين من إلقاء شيء من ضلالاتهم فِي أثناء هذا الوحي الطاهر ، وعند هذا يعلم أن من قال: إن الشيطان ألقى قوله: تلك الغرانيق العلا فِي أثناء الوحي ، فقد قال قولاً عظيماً ، وطرق الطعن والتهمة إلى القرآن.
والمرتبة الثالثة: أن هذا القرآن لم يغير ولم يحرف ، ودخل فيه فساد قول من قال: إن ترتيب القرآن على هذا الوجه شيء فعله عثمان رضي الله عنه ، فإن من قال ذلك أخرج القرآن عن كونه حجة.
والمرتبة الرابعة: أن يعلم أن القرآن مشتمل على المحكم والمتشابه ، وأن محكمه يكشف عن متشابهه.