يَعْنِي: وَقَالُوا: غُفْرَانَكَ رَبَّنَا، بِمَعْنَى: اغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا غُفْرَانَكَ، كَمَا يُقَالُ: سُبْحَانَكَ، بِمَعْنَى نُسَبِّحُكَ سُبْحَانَكَ.
وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى أَنَّ الْغُفْرَانَ وَالْمَغْفِرَةَ: السِّتْرُ مِنَ اللَّهِ عَلَى ذُنُوبِ مَنْ غَفَرَ لَهُ، وَصَفْحُهُ لَهُ عَنْ هَتْكِ سِتْرِهِ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَعَفْوُهُ عَنِ الْعُقُوبَةِ عَلَيْهِ،
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} فَإِنَّهُ يَعْنِي جَلَّ ثناؤُهُ أَنَّهُمْ قَالُوا: وَإِلَيْكَ يَا رَبَّنَا مَرْجُعَنَا وَمَعَادُنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا.
فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: فَمَا الَّذِي نَصَبَ قَوْلَهَ: {غُفْرَانَكَ} ؟
قِيلَ لَهُ: وقُوعُهُ وَهُوَ مَصْدَرٌ مَوْقِعَ الْأَمْرِ، وَكَذَلِكَ تَفْعَلُ الْعَرَبُ بِالْمَصَادِرِ
وَالْأَسْمَاءِ إِذَا حَلَّتْ مَحَلَّ الْأَمْرِ، وَأَدَّتْ عَنْ مَعْنَى الْأَمْرِ نَصَبَتْهَا، فَيَقُولُونَ: شُكْرًا لِلَّهِ يَا فُلَانُ، وَحَمْدًا لَهُ، بِمَعْنَى: أَشْكُرُ اللَّهَ وَأَحْمَدُهُ، وَالصَّلَاةَ الصَّلَاةَ: بِمَعْنَى صَلُّوا. وَيَقُولُونَ فِي الْأَسْمَاءِ: اللَّهَ اللَّهَ يَا قَوْمُ، وَلَوْ رُفِعَ بِمَعْنَى هُوَ اللَّهُ، أَوْ هَذَا اللَّهُ وَوُجِّهَ إِلَى الْخَبَرِ وَفِيهِ تَأْوِيلُ الْآمِرِ كَانَ جَائِزًا، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الخفيف]
إِنَّ قَوْمًا مِنْهُمْ عُمَيْرٌ وَأَشْبَا ... هُ عُمَيْرٍ وَمِنْهُمُ السَّفَّاحُ
لَجَدِيرُونَ بِالْوَفَاءِ إِذَا قَا ... لَ أَخُو النَّجْدَةِ السِّلَاحُ السِّلَاحُ
وَلَوْ كَانَ قَوْلُهُ: {غُفْرَانَكَ رَبَّنَا} جَاءَ رَفْعًا فِي الْقِرَاءَةِ لَمْ يَكُنْ خَطَأً، بَلْ كَانَ صَوَابًا عَلَى مَا وَصَفْنَا.
وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ لَمَّا نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَنَاءً مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَعَلَى أُمَّتِهِ، قَالَ لَهُ جِبْرِيلُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَحْسَنَ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَّتِكَ الثَّنَاءَ، فَسَلْ رَبَّكَ فَسَلْ تُعْطَهْ، فَسَأَلَ: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} إِلَى آخِرِ السُّورَةِ"» ."