أما أولاً: فلأن قوله: إن الحي بمعنى الذي يصح أن يعلم ويقدر مما يشترك به سائر الحيوانات فلا يحسن أن يمدح الله تعالى به نفسه فِي غاية السقوط لأنه إن أراد الاشتراك فِي إطلاق اللفظ فليس الحي وحده كذلك بل السميع والبصير أيضاً مثله فِي الإطلاق على أخس الحيوانات، وقد مدح الله تعالى بهما نفسه ولم يستشكل ذلك أهل السنة، وإن أراد الاشتراك فِي الحقيقة فمعاذ الله تعالى من ذلك إذ الاشتراك فيها مستحيل بين التراب ورب الأرباب، وبين الأزلي والزائل، ومتى قلت إن الاشتراك فِي إطلاق اللفظ يوجب ذلك الاشتراك حقيقة، ولا مناص عنه إلا بالحمل على المجاز لزمك مثل ذلك فِي سائر الصفات ولا قائل به من أهل السنة، وأما ثانياً: فلأن كون الحياة فِي اللغة بمعنى الكمال مما لم يثبت فِي شيء من كتب اللغة أصلاً وإنما الثابت فيها غير ذلك ووصف الجمادات بها إنما هو على سبيل المجاز دون الحقيقة كما وهم فإن قال: إنها مجاز فِي الله تعالى أيضاً بذلك المعنى عاد الإشكال بحصول الاشتراك فِي الكمال مع الجمادات فضلاً عن الحيوان، فإن قال: كمال كل شيء بالنسبة إلى ما يليق به قلنا: فحياة كل حي حقيقة بالنسبة إلى ما يليق به، وليس كمثل الله تعالى شيء، وكأني بك تفهم من كلامي الميل إلى مذهب السلف فِي مثل هذه المواطن فليكن ذلك فهم القوم كل القوم.
ويا حبذا هند وأرض بها هند ... والزمخشري فسر الحي بالباقي الذي لا سبيل عليه للموت والفناء وجعلوا ذلك منه تفسيراً بما هو المتعارف من كلام العرب وأرى أن فِي القلب منه شيء، ولعلي من وراء المنع لذلك، نعم روي عن قتادة أنه الذي لا يموت وهو ليس بنص فِي المدعي. (1) انتهى انتهى. {روح المعاني حـ 3 صـ 7}
(1) نسبة صفات الخلق لصفات الخالق - جل جلاله - كنسبة العدم إلى الوجود {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} . والله أعلم.