{تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض} إشارة إلى أن التفاضل فِي الدين والدنيا بين العباد ليس بسعيهم ومناهم وإنما هو بتفضيل الله إياهم ، فلكلّ من أهل الفضل أنوار ، ولأنوارهم آثار على قدر استعلاء أضواء أنوارهم لا على قدر سعيهم واختيارهم . وهذا التفاوت صارد من تلك الأقسام حين جرت به الأقلام ، كما قال صلى الله عليه وسلم: « إن الله خلق خلقه فِي ظلمة ثم رشّ عليهم من نوره فمن أصابه من ذلك النور اهتدى ، ومن أخطأه ضل وغوى » ثم إن الفضل فضلان: عام يمتاز به عن المردودين {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون} [الأنبياء: 101] ؛ وخاص يمتاز به عن المقبولين كما ثبت لسيد المرسلين . والتفاوت فِي الأنوار على قدر التفاوت فِي الظلمات المخلوقة المستعدة لقبول النور فِي بدر الخلقة لا فِي حقيقة النور ، فإنه موصوف بالوحدة ، ولهذا ورد بلفظ الوحدان فِي قوله {وجعل الظلمات والنور} [الأنعام: 1] {ويخرجهم من الظلمات إلى النور} [المائدة: 16] . والرفعة فِي الدرجات فِي قدر قوة الاستعلاء ، كما قال: {والذين أوتوا العلم درجات} [المجادلة: 11] فالعلم هو الضوء من نور الوحدانية ؛ فكلما ازداد العلم ازدادت الدرجة ، وعلى قدر غلبات أنوار التوحيد على ظلمات الوجود كانت مراتب الأنبياء بعضها فوق بعض . فقد يبقى بعضهم فِي مكان من أماكن السماوات ، كما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه رأى آدم ليلة المعراج فِي السماء الدنيا ، ويحيى وعيسى فِي السماء الثانية ، ويوسف فِي السماء الثالثة ، وإدريس فِي السماء الرابعة ، وهارون فِي السماء الخامسة ، وموسى فِي السماء السادسة ، وإبراهيم عليه السلام فِي السماء السابعة ، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم ما بقي فِي مكان بل رفع به إلى سدرة المنتهى ثم إلى قاب قوسين أو أدنى ، لأنه كان فانياً بالكلية عن ظلمة وجوده باقياً بنور شهود ربه ، ولهذا سماه الله نوراً