فالجواب: أن من ترك الحلف لاعتقاده أن الله تعالى أجل وأعظم من أن يستشهد باسمه العظيم فِي مطالب الدنيا ، والخسائس من أمور الحياة ، فلا شك أن هذا من أعظم أبواب البر والتقوى .
اللطيفة الثالثة: قال الإمام الجصاص:"قد ذكر الله تعالى اللغو فِي مواضع من كتابه العزيز ، فكان المراد به معاني مختلفة على حسب الأحوال التي خرج عليها الكلام فقال تعالى: {لاَّ تَسْمَعُ فِيهَا لاَغِيَةً} [الغاشية: 11] يعني كلمة فاحشة قبيحة وقال: {لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً} [الواقعة: 25] على هذا المعنى ، وقال: {وَإِذَا سَمِعُواْ اللغو أَعْرَضُواْ عَنْهُ} [القصص: 55] يعني الكفر والكلام القبيح ، وقال {والغوا فِيهِ} [فصلت: 26] يعني الكلام الذي لا يفيد شيئاً ، وقال: {وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً} [الفرقان: 72] يعني الباطل ، ويقال: لغا فِي كلامه يلغو إذا أتى بكلام لا فائدة فيه".
اللطيفة الرابعة: الحكمة فِي تحديد مدة الإيلاء بأربعة أشهر ، هي أن التأديب بالهجر ينبغي ألا يتجاوز هذه المدة ، فالمرأة ينفد صبرها عن غياب بعلها هذه المدة ، ولا تستطيع أن تصبر أكثر منها .
روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يطوف ليلة بالمدينة فسمع امرأة تنشد هذه الأبيات:
تطاول هذه الليلُ واسودّ جانبُه ... وأرّقني ألاّ حبيب ألاعبُه
فوا اللهِ لولا الله لا شيء غيرهُ ... لزُعْزع من هذا السرير جوانبُه
مخافة ربي والحياءُ يكفّّني ... وإكرام بعلي أن تُنال مراكبُه
فلما كان من الغد سأل عن المرأة أين زوجها ؟ فقالوا يا أمير المؤمنين: بعثت به إلى العراق ، فاستدعى نساءً فسألهن عن المرأة كم تصبر عن زوجها ؟ فقلن شهراً ، وشهرين ، ويقلّ صبرها فِي ثلاثة أشهر ، وينفد صبرها فِي أربعة أشهر ، فجعل عمر مدة غزو الرجل أربعة أشهر ، فإذا مضت المدة استردّ الغازين ووجّه بقومٍ آخرين .