قال الحرالي: وفي قوله تعالى: {فَإِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} ، تهديد بما يقع فِي الأنفس والبواطن من المضارة والمضاجرة بين الأزواج فِي أمور لا تأخذها الأحكام، ولا يمكن أن يصل إلى علمها الحكام، فجعلهم أمناء على أنفسهم فيما بطن وظهر. ولذلك رأى العلماء أن الطلاق أمانة فِي أيدي الرجال، كما أن العدد والاستبراء أمانة فِي أيدي النساء. فلذلك انتظمت آية تربص المرأة فِي عدتها بآية تربص الزوج فِي إيلائه.
قال الإمام ابن كثير: وقد ذكر الفقهاء وغيرهم - فِي مناسبة تأجيل المولي بأربعة أشهر - الأثر الذي رواه مالك عن عبد الله بن دينار قال: خرج عُمَر بن الخطاب من الليل فسمع امرأة تقول:
تطاول هذا الليل واسودّ جانبه وأرّقني ألا خَليلَ ألاعبُه
فوالله! لولا الله، أني أراقبُه لحُرِّك من هذا السرير جوانبُه
فسأل عمر ابنته حفصة رضي الله عنهما: كم أكثر ما تصبر المرأة عن زوجها؟ فقالت ستة أشهر أو أربعة أشهر. فقال عمر: لا أحبس أحداً من الجيوش أكثر من ذلك. وقال محمد بن إسحاق عن السائب بن جبير مولى ابن عباس وكان قد أدرك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما زلت أسمع حديث عمر أنه خرج ذات ليلة يطوف بالمدينة وكان يفعل ذلك كثيراً إذ مر بامرأة من نساء العرب مغلقة بابها تقول:
تطاول هذا الليل وازورّ جَانِبُه وأرّقَني ألا ضجيعَ ألاعبُه
ألاعبه طوراً وطوراً كأنما بدا قمراً فِي ظلمة الليل حاجبُه
يُسَرُّ به من كان يلهو بقربه لطيف الحشا لا يحتويه أقاربُه
فوالله! لولا الله، لا شيء غيره لنُقِّض من هذا السرير جوانبه
ولكنني أخشى رقيباً موكَّلاً بأنفاسنا، لا يفتر الدهرّ كاتبُه
مخافة ربي، والحياء يصدّني وإكرام بعلي، أن تنال مراكبه
ثم ذكر بقية ذلك - كما تقدم أو نحوه - وقد روي هذا من طرق، وهو من المشهورات. انتهى انتهى. {محاسن التأويل حـ 3 صـ 172 - 174}