ثم قال ابن القيم: وأيضاً فإنه يذهب بالحياء جملة، والحياء هو حياة القلوب، فإذا فقدها القلب استحسن القبيح واستقبح الحسن، وحينئذ فقد استحكم فساده. وأيضاً: فإنه يحيل الطباع عما ركبها الله، ويخرج الْإِنْسَاْن عن طبعه إلى طبع لم يركب الله عليه شيئاً من الحيوان، بل هو طبع منكوس، وإذا نكس الطبع انتكس القلب والعمل والهدى، فيستطيب حينئذ الخبيث من الأعمال والأفعال والهيئات، ويفسد حاله وعمله وكلامه بغير اختياره. وأيضاً فإنه يورث من الوقاحة والجراءة ما لا يورثه سواه. وأيضاً: فإنه يورث من المهانة والسفال والحقارة ما لا يورثه غيره. وأيضاً: فإنه يكسو العبد من حلة المقت والبغضاء وازدراء الناس له، واحتقارهم إياه، واستصغارهم له ما هو مشاهد بالحس. فصلوات الله وسلامه على من سعادة الدنيا والآخرة فِي هديه واتباع ما جاء به، وهلاكٌ الدنيا والآخرة فِي مخالفة هديه وما جاء به.
ولما اشتملت هذه الآية على الإذن فِي قضاء الشهوة، نبه على أن لا يكون المرء فِي قيدها بل فِي قيد الطاعة، فقال تعالى: {وَقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ} ، أي: ما يجب تقديمه من الأعمال الصالحة لتنالوا به الجنة والكرامة، كقوله: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} : {وَاتَّقُواْ اللّهَ} فلا تجترئوا على المعاصي: {وَاعْلَمُواْ أَنَّكُم مُّلاَقُوهُ} صائرون إليه فاستعدوا للقائه: {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} بالثواب. وإنما حذف لكونه كالمعلوم، فصار كقوله: {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلاً كَبِيراً} [الأحزاب: 47] . انتهى انتهى. {محاسن التأويل حـ 3 صـ 161 - 169}