كَيْفَ يَكُونُ النَّوْكُ إِلاَّ ذَلِكُ...
فصل
قوله تعالى: {فِي الدنيا} : فيه خسمة أوجهٍ:
أظهرها: أن يتعلَّق بيتفكّرون على معنى: يتفكَّرون فِي أمرهما ، فيأخذون ما هو الأصلح ، ويؤثرون ما هو أبقى نفعاً.
والثاني: أن يتعلَّق بـ"يبيِّن"، ويروى معناه عن الحسن ، وحينئذٍ يحتمل أن يقدَّر مضاف ، أي: فِي أمر الدُّنيا والآخرة ، ويحتمل ألاَّ يقدَّر ، لأنَّ بيان الآيات ، وهي العلامات يظهر فيها.
وجعل بعضهم قول الحسن من التَّقديم ، والتأخير ، أي: ليس لذلك يبيِّن الله لكم الآيات فِي أمر الدنيا والآخرة لعلَّكم تتفكَّرون فِي الدنيا وزوالها وفنائها ، فتزهدون فيها ، وفي إقبال الآخرة ، ووقوعها ، فترغبون فيها.
ثم قال: ولا حَاجَةَ لِذَلِكَ ، لحَمْلِ الكَلاَمِ على ظاهره ، يعني من تعلُّق فِي الدُّنيا بـ"تَتَفَكَّرُونَ".
وهذا ليس من التَّقديم والتَّأخير فِي شيء ؛ لأنَّ جملة التَّرجِّي جاريةٌ مجرى العلَّة فهي متعلِّقةٌ بالفعل معنى ، وتقديم أحد المعمولات على الآخر ، لا يقال فيه تقديم وتأخير ويحتمل أن تكون اعتراضيةً ، فلا تقديم ، ولا تأخير.
والثالث: أن تتعلَّق بنفس"الآيَاتِ"لما فيها من معنى الفعل ، وهو ظاهر قول مكي فيما فهمه عنه ابن عطيَّة.
قال مكِّيٌّ:"معنى الآية أنه يبيِّن للمؤمنين آياتٍ فِي الدُّنيا ، والآخرة يدلُّ عليها ، وعلى منزلتها لعلَّهم يتفكَّرون فِي تلك الآياتِ"قال ابن عطيَّة:"فقوله: فِي الدنيا: يتعلَّق على هذا التَّأويل بالآيات"وما قاله عنه ليس بظاهر ؛ لأنَّ شرحه الآية لا يقتضي تعلُّق الجار بالآيات.