فإذا واظب الإنسان عليه صار الإنسان غرقاً فِي اللذات البدنية، معرضاً عن تذكر الآخرة والمعاد، حتى يصير من الذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم، وبالجملة فالخمر يزيل العقل، وإذا زال العقل حصلت القبائح بأسرها ولذلك قال عليه الصلاة والسلام:"الخمر أم الخبائث"وأما الميسر فالإثم فيه أنه يفضي إلى العداوة، وأيضاً لما يجري بينهم من الشتم والمنازعة وأنه أكل مال بالباطل وذلك أيضاً يورث العداوة، لأن صاحبه إذا أخذ ماله مجاناً أبغضه جداً، وهو أيضاً يشغل عن ذكر الله وعن الصلاة. انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 40}
وصف الله الخمر بأن فيها إثماً كبيراً ومنافع. والإثم: معصية الله بفعل ما فيه فساد ولا يرضى الله، وأشار الراغب إلى أن فِي اشتقاق الإثم معنى الإبطاء عن الخير، وقال ابن العربي فِي تفسير سورة الأعراف: الإثم عبارة عن الذم الوارد فِي الفعل، فكأنه يشير إلى أن الإثم ضد الثواب، وظاهر اصطلاح الشريعة أن الإثم هو الفعل المذموم فِي الشرع، فهو ضد القربة فيكون معنى {فيهما إثم كبير} أنهما يتسبب منهما ما هو إثم فِي حال العربدة وحال الربح والخسارة من التشاجر.
وإطلاق الكبير على الإثم مجاز، لأنه ليس من الأجسام، فالمراد من الكبير: الشديد فِي نوعه كما تقدم آنفاً.
وجيء بفي الدالة على الظرفية لإفادة شدة تعلق الإثم والمنفعة بهما؛ لأن الظرفية أشد أنواع التعلق، وهي هنا ظرفية مجازية شائعة فِي كلام العرب، وجعلت الظرفية متعلقة بذات الخمر والميسر للمبالغة، والمراد فِي استعمالهما المعتاد.
واختير التعبير بالإثم للدلالة على أنه يعود على متعاطي شربها بالعقوبة فِي الدنيا والآخرة.
وقرأ الجمهور {إثم كبير} بموحَّدَة بعد الكاف وقرأه حمزة والكسائي (كثير) بالثاء المثلثة، وهو مجازاً استعير وصف الكثير للشديد تشبيهاً لقوة الكيفية بوفرة العدد. انتهى انتهى. {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 343 - 345}