قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قَوْله تَعَالَى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} يَمْنَعُ وُجُوبَ الْقَضَاءِ عَلَى الْمَجْنُونِ الَّذِي لَمْ يُفِقْ فِي شَيْءٍ مِنْ الشَّهْرِ ؛ إذْ لَمْ يَكُنْ شَاهَدَ الشَّهْرَ ، وَشُهُودُهُ الشَّهْرَ كَوْنُهُ مُكَلَّفًا فِيهِ ، وَلَيْسَ الْمَجْنُونُ مِنْ أَهْلِ التَّكْلِيفِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: {رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ: عَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ ، وَعَنْ الصَّغِيرِ حَتَّى يَحْتَلِمَ ، وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ} .
فَإِنْ قِيلَ: إذَا احْتَمَلَ قَوْلُهُ {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} شُهُودُهُ بِالْإِقَامَةِ وَتَرْكِ السَّفَرِ دُونَ مَا ذَكَرْتَهُ مِنْ شُهُودِهِ بِالتَّكْلِيفِ ، فَمَا الَّذِي أَوْجَبَ حَمْلَهُ عَلَى مَا ادَّعَيْتَ دُونَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ حَالِ الْإِقَامَةِ ؟ قِيلَ لَهُ: لَمَّا كَانَ اللَّفْظُ مُحْتَمِلًا لِلْمَعْنَيَيْنِ وَهُمَا غَيْرُ مُتَنَافِيَيْنِ بَلْ جَائِزٌ إرَادَتُهُمَا مَعًا ، وَكَوْنُهُمَا شَرْطًا فِي لُزُومِ الصَّوْمِ ، وَجَبَ حَمْلُهُ عَلَيْهِمَا ؛ وَهُوَ كَذَلِكَ عِنْدَنَا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ مُكَلَّفًا
بِالصَّوْمِ غَيْرَ مُرَخَّصٍ لَهُ فِي تَرْكِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُقِيمًا مِنْ أَهْلِ التَّكْلِيفِ.