ومن وجوه إعداد الصوم للتقوى أن الصائم عندما يجوع يتذكر من لا يجد قوتًا
فيحمله التذكر على الرأفة والمرحمة الداعيتين إلى البذل والصدقة وقد وصف الله
تعالى نبيه بأنه رءوف رحيم ويرتضي لعباده المؤمنين ما ارتضاه لنبيه صلى الله
عليه وسلم ولذلك أمرهم بالتأسي به.
مهما تعددت وجوه فائدة الصوم فلا يبلغ شيء منها مبلغ الوجه الأول , وهو
إنما يكون لمن يصوم لوجه الله تعالى كما هو الملاحظ في النية على ما قدمناه
ومن آية الصيام بهذه النيّة والملاحظة التحلي بتقوى الله تعالى وما يتبعها من أحاسن
الصفات والخلال وفضائل الأعمال.
قال: أنا لا أشك في أن من يصوم على الوجه الذي أقوله يكون راضيًا
مَرْضيًّا مطمئنًا بحيث لا تجد في نفسه اضطرابًا ولا انزعاجًا. نعم ربما يوجد عنده
شيء من الفتور الجسماني وأما الروحاني فلا. أعرف رجلاً لا يغضب في رمضان
مما يغضب له في غيره , ولا يمل من حديث الناس ما كان يمله في أيام الفطر
وذلك لأنه صائم لوجه الله تعالى [3] .
أين هذا كله من الصوم الذي عليه أكثر الناس وهو ما تراهم متفقين على أن
من آثاره السخط والحمق وشدة الغضب لأدنى سبب , واشتهر هذا بينهم وأخذوه
بالتسليم حتى صاروا يعتقدون أنه أثر طبيعي للصوم , وهو وهم استحوذ على
النفوس فحل منها محل الحقيقة وكان له أثرها. ومتى رسخ الوهم في النفس
يصعب انتزاعه على العقلاء الذين يتعاهدون أنفسهم بالتربية الحقيقية دائمًا فكيف
حال الغافلين عن أنفسهم المنحدرين في تيار العادات والتقاليد الشائعة لا يتفكرون في
مصيرهم ولا يشعرون في أية لجة يقذفون.
قال الأستاذ: إن عندي وهمًا من أوهام الصوم , وإنني لعلمي به أجتهد في
مصارعته ولا أقدر على صرعه وإزالته إلا بعد مضي أيام من أول رمضان. منشأ
ذلك الوهم أن من عادتي أن لا أعمل شيئًا في صبيحة كل يوم إلا بعد تناول طعام
الفطور , فإذا كان رمضان آخذ القلم في الصباح لأكتب مثلاً فلا أدري ماذا أكتب
ويتعاصى القلم أن يجري بسهولة , حتى إنني لولا معرفة السبب لتركته , ولكنني
أزال أعالجه حتى يجري ويغلب سلطان الحقيقة على سلطان الوهم.