إن أكثر الناس يلاحظون في صومهم حفظ رسم الدين الظاهر وموافقة الناس
فيما هم فيه حتى إن الحائض تصوم وترى الفطر في نهار رمضان عارًا ومأثمًا.
ولا بأس بهذا الصوم من غير الحائض لحفظ ظاهر الإسلام وإقامة هيكل شعائره
ولكنه لا يفيد المسلمين شيئًا في دينهم ولا في دنياهم لخلوّه من الروح الذي يُعدهم
للتقوى ويؤهلهم لسعادة الآخرة والدنيا. ثم شرح ما عليه الناس من الاستعداد لأكل
رمضان وشربه بحيث ينفقون فيه على ذلك ما يكاد يساوي نفقة سائر السنة. (قال)
حتى كأنه موسم أكل , وكأن الإمساك عن الطعام في النهار إنما هو لأجل
الاستكثار منه في الليل. وهذا هو الصوم المراد بقوله صلى الله عليه وسلم:(كم
من صائم ليس له من صومه إلا الجوع والعطش)رواه النسائي وابن ماجه , ولا
نطيل بشرح ما عليه الناس فهم يعلمونه علمًا تامًّا , وفيما كتب كفاية لمن يريد
معرفة حقه من باطله , والله الموفق.
(تنبيه) لا ينافي ما ذكرناه هنا عن الأستاذ في كسر الشهوة بالصوم ما
ذكرناه في رمضان الماضي من أن من فوائد الصوم تأديب الشهوة وكسر سورتها؛
لأننا بنيناه على أن ترك الشهوات لأجل الدين يطبع في النفس ملكة الترك فيكون
زمام النفس بيد صاحبها , وذكرنا قبل هذا أن الصوم يقوي البدن , وأنه كتضمير
الخيل فليرجع إليه من أراد يجده موافقًا لقول الأستاذ. انتهى انتهى {مجلة المنار، رمضان 1318 هـ، للشيخ/ محمد رشيد رضا} ...