ثم ذكر أنهم يؤكدون إيمانهم وإخلاصهم بالأيمان الكاذبة، فقال: {وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} ؛ أي: وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا: إنّا آمنَّا، وإذا جاء الرسول حلفوا وقالوا له: {نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ} فيما يقولون؛ لأنهم لا يعتقدون صِدقه.
15 -ثم ذكر مآلهم، وبيّن ما يلقون من النكال والوبال، فقال: {أَعَدَّ اللَّهُ} سبحانه وتعالى؛ أي: أرصد، وهيأ {لَهُمْ} ؛ أي: لهؤلاء المنافقين بسبب هذا التولي والحلف الباطل {عَذَابًا شَدِيدًا} في الدنيا والآخرة.
والمراد نوعًا عظيمًا من العذاب. فالنوعية مستفادة من تنكير {عَذَابًا} ، والعظيم من توصيفه بالشدة. {إِنَّهُمْ} ؛ أي؛ إن هؤلاء المنافقين {سَاءَ} وقبح {مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} ؛ أي: ساء ما تمرنوا عليه وأصروا وتمرنهم أي: اعتيادهم واستمرارهم على مثل اما عملوه في الحال من العمل السوء، مستفاد من {كان} الدالة على الزمان الماضي؛ أي: العمل السيء دأبهم.
والمعنى: أي أرصد الله لهم نكالًا وعذابًا أليمًا، جزاء صنيعهم بغش المسلمين وإطلاع أعدائهم على أسرارهم ونصحهم لهم.
16 -ثم ذكر ما جعلوه تكأة لهم على تصديقهم فقال: {اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ} الفاجرة التي يحلفون بها عند الحاجة. واليمين في الحلف مستعار من اليد، اعتبارًا بما يفعله المحالف، والمعاهد عنده. {جُنَّةً} ؛ أي: كالجنّة وهي الترس الذي يجن صاحبه من السلاح؛ أي: يستره. أي: جعلوها وقاية وسترة يستترون بها من المؤمنين ومن قتلهم ونهب أموالهم.
قرأ الجمهور: {أَيْمَانَهُمْ} بفتح الهمزة، جمع يمين. وهي: ما كانوا يحلفون عليه من الكذب بأنهم من المسلمين، توقِّيًا من القتل. فجعلوا هذه الأيمان وقاية وسترة دون دمائهم، كما يجعل المقاتل الجُنة وقاية له من أن يصاب بسيف أو رمح أو سهم. وقرأ الحسن، وأبو العالية: {إيمانهم} بكسر الهمزة، أي: جعلوا تصديقهم جُنة من القتل، فآمنت ألسنتهم من خوف القتل، ولم تؤمن قلوبهم.