ومن حكمة الحق سبحانه وتعالى أنْ وزَّع عطاءات القرآن على عصور الزمان كلها حتى لا يستقبل عصرٌ القرآنَ وهو بلا عطاء.
ثم إن هذا العطاء يأتي على قدر العقول، وعلى قدر البحث والتأمل في ملكوت الله، وبذلك نفهم معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم عن القرآن:"لا تنقضي عجائبه ولا يَخْلَق عن كثرة الردِّ".
فأنت تقرأ مثلاً أعظم القصائد الشعرية، ولا بدَّ أنْ تسأم منها بعد مرة أو حتى بعد عدة مرات، لكن تقرأ القرآن فلا تمله، بل تزداد له حباً كلما أمعنتَ في القراءة، لأنه كلام الله وله سِرٌّ مع كل تَالٍ له، وله عطاء لكل مُتأمل فيه، فعطاءات القرآن متعددة يأخذ منه كل تَالٍ له على قدره.
وختام السورة بهذه الآية {إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ .. } [الحجرات: 18] يدل على أن مُلْك الله واسع وعجائبه لا تنتهي، وليس لها حصر ولا عدَ، ومهما وصلت البشرية من التقدم فسوف يبقى عند القرآن الجديد، وفي آيات الله ما يبهر العقول.
كنا في الماضي نتحدث عن عصر الفحم، ثم عصر البخار، ثم عصر الكهرباء، والآن يتحدثون عن عصر الطاقة النووية والطاقة الذرية، فأين كانت هذه الطاقات؟
كانت غيباً في علم الله وكشف عنها لعباده حينما تقدَّمتْ العقول وارتقتْ الأفكار، وكلها اكتشافات لم يأتِ أحدٌ بشيء من عنده، كلها من عند الله وفَيْض من عطائه مطمور إلى حين. انتهى انتهى. {تفسير الشعراوي صـ} ...