إذن: لا تمنُّوا بإسلامكم {بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ ..} [الحجرات: 17] لأنه أرشدكم إلى طريق الصواب والهداية {أَنْ هَداكُمْ لِلإِيمَانِ ..} [الحجرات: 17] إذن: إنْ كان هناك منة، فالمنّة منّ الله عليكم، لأن طاعة الله والسير على منهجه هو الذي يحمي لكم حركة الحياة ويُنظمها حتى لا تتعارض مصالحكم.
{إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [الحجرات: 17] أي: في ادعائكم الإيمان، وإنْ تفيد الشك فكأنهم يمنُّون بشيء هم كاذبون فيه، وحتى لو كانوا صادقين ما كان لهم أنْ يمنُّوا به.
{إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}
سبق أنْ أوضحنا أن السماوات والأرض ظرف، وفي هذا الظرف عجائب وبدائع من خَلْق الله أعظم من الظرف، لأن القاعدة أن المظروف أعلى وأعظم من المظروف فيه.
لذلك الحق سبحانه يقول:
{وَللَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ..} [آل عمران: 189] وفي موضع آخر:
{وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ ..} [النجم: 31] فالسماوات والأرض رغم ما فيهما من عجائب الخلْق وإبداع وهندسة كونية إلا أنهما يحويان ما هو أعجب.
هنا يُحدِّثنا الحق سبحانه عما في السماوات والأرض من غيب، والغيب كل ما غاب عن إدراكك، والشيء قد يغيب عن إدراكك اليوم ويظهر لك غداً، فمثلاً الكهرباء قبل اكتشافها كانت غيباً لا ندري عنه شيئاً، والآن أصبحتْ مشهداً نحسُّه جميعاً ونتعامل معه.
إنك لو نظرتَ إلى الموجبات التي تحمل الصوت والصورة في الهواء لوجدتَ أمراً عجيباً حقاً، لأنك لو جئتَ مثلاً بمائة راديو ومائة تليفزيون، ووضعتها في مكان واحد، ووجَّهت كلاً منها إلى جهة لوجدتَ إرسالات مختلفة بالصوت والصورة.
فكيف تداخلتْ هذه الموجات في هواء واحد، ووصلتْ إلينا بهذه الدقة وهذا الوضوح، وهي من أقصى بلاد الدنيا؟
هذه كلها أسرار من غيب السماوات والأرض تدعونا إلى الإيمان بقوله تعالى:
{سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ..} [فصلت: 53] .
ورغم عظمة الخَلْق في السماوات والأرض، فغيب السماوات والأرض أعظم من الجميع، وسيظل هذا الغيب مدداً لا ينفد، وعطاء لا ينتهي، يُطالعنا من حين لآخر بشيء جديد من غيب الله ليظلّ القرآنُ معجزاً إلى قيام الساعة.