ولما كانوا كأنهم يقولون: نحن كذلك ، أمره - صلى الله عليه وسلم - بالإنكار عليهم والتوبيخ لهم دلالة على ما أشار إليه ختام الآية إحاطة علمه الذي تميز به الصادق من غيره من جميع الخلق فقال: {قل} أي لهؤلاء الأعراب مجهلاً لهم مبكتاً: {أتعلمون} أي أتخبرون إخباراً عظيماً بلغياً ، كأنهم لما آمنوا كان ذلك إعلاماً منهم ، فلما قالوا آمنا كان ذلك تكريراً ، فكان في صورة التعليم ، فبكتهم بذلك {الله} أي الملك الأعظم المحيط قدرة وعلماً {بدينكم} فلذلك تقولون: آمنا ، ففي ذلك نوع بشرى لهم لأنه أوجد لهم ديناً وأضافه إليهم - قاله ابن برجان.
ولما أنكر عليهم وبكتهم وصل به ما يشهد له فقال: {والله} أي والحال أن الملك المحيط بكل شيء {يعلم ما في السماوات} كلها على عظمها وكثرة ما فيها ومن فيها.
ولما كان في سياق الرد عليهم والتبكيت لهم كان موضع التأكيد فقال: {وما في الأرض} كذلك.
ولما كان المقام للتعميم ، أظهر ولم يضمر لئلا يوهم الاختصاص بما ذكر من الخلق فقال: {والله} أي الذي له الإحاطة الكاملة {بكل شيء} أي مما ذكر ومما لم يذكر {عليم} .
ولما كان قولهم هذا صورته صورة المنة ، قال مترجماً له مبكتاً لهم عليه معبراً بالمضارع تصويراً لحاله في شناعته: {يمنون عليك} أي يذكرون ذكر من اصطنع عندك صنيعة وأسدى إليك نعمة ، إنما فعلها لحاجتك إليها لا لقصد الثواب عليها ، لأن المن هو القطع - قال في الكشاف: لأنه إنما يسديها إليه ليقطع بها حاجته لا غير ، من غير أن يعمد لطلب مثوبة ، ثم يقال: من عليه ضيعة - إذا اعتده عليه منة وإنعاماً.
ولما كان الإسلام ظاهراً في الدين الذي هو الانقياد بالظاهر مع إذعان الباطن لم يعبر به ، وقال: {إن أسلموا} أي أوقعوا الانقياد للأحكام في الظاهر.