ومن ثم يلّوح بأن النصر والغلب لم يكن عسيراً ولا بعيداً ، بل كان هيناً يسيراً على الله لو اقتضت حكمته يومئذ أن يكون الأمر كما أراده المؤمنون ، فإن لله جنوداً لا تحصى ولا تغلب ، تدرك النصر وتحقق الغلب وقتما يشاء: {ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عليماً حكيما} .. فهي حكمته وهو علمه ، تسير الأمور وفقهما كما يريد.
وعن العلم والحكمة: {أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم} . ليحقق لهم ما قدره من فوز ونعيم:
{ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار ، خالدين فيها ، ويكفر عنهم سيئاتهم ، وكان ذلك عند الله فوزاً عظيماً} ..
وإذا كان هذا في حساب الله فوزاً عظيماً ، فهو فوز عظيم! فوز عظيم في حقيقته ، وفوز عظيم في نفوس من ينالونه من عند الله مقدراً بتقديره ، موزوناً بميزانه.. ولقد فرح المؤمنون يومها بما كتب الله لهم ؛ وكانوا قد تطلعوا بعدما سمعوا افتتاح السورة ، وعلموا منه ما أفاض الله على رسوله. تطلعوا إلى نصيبهم هم ، وسألوا عنه ، فلما سمعوا وعلموا فاضت نفوسهم بالرضى والفرح واليقين.
ثم أنبأهم بجانب آخر من جوانب حكمته فيما قدر في هذا الحادث ؛ وهو مجازاة المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ، بما يصدر عنهم من عمل وتصرف:
{ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ، الظانين بالله ظن السوء ، عليهم دائرة السوء. وغضب الله عليهم ولعنهم ، وأعد لهم جهنم وساءت مصيراً. ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عزيزاً حكيما} ..