وكانت حميتهم لدينهم وحماستهم للقاء المشركين بالغة ، يبدو هذا في بيعتهم الإجماعية ؛ ثم انتهى الأمر إلى المصالحة والمهادنة والرجوع. فلم يكن هيناً على نفوسهم أن تنتهي الأمور إلى ما انتهت إليه. يبدو هذا في تباطئهم في النحر والحلق ، حتى قالها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثاً. وهم من هم طاعة لأمر رسول الله وامتثالاً. كالذي حكاه عنهم لقريش عروة ابن مسعود الثقفي. ولم ينحروا ويحلقوا أو يقصروا إلا حين رأوا رسول الله يفعل هذا بنفسه ، فهزتهم هذه الحركة العملية ما لم يهزهم القول ، وثابوا إلى الطاعة كالذي كان فِي دهشة المأخوذ!
وهم كانوا قد خرجوا من المدينة بنية العمرة ، لا ينوون قتالاً ، ولم يستعدوا له نفسياً ولا عملياً. ثم فوجئوا بموقف قريش ، وبما شاع من قتلها لعثمان ، وبإرسال النفر الذين رموا فِي عسكر المسلمين بالنبل والحجارة. فلما عزم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على المناجزة وطلب البيعة أعطوها له عن بكرة أبيهم. ولكن هذا لا ينفي موقف المفاجأة على غير ما كانت نفوسهم قد خرجت له. وهو بعض ما كان يجيش في قلوبهم من انفعالات وتأثرات. وهم ألف وأربعمائة وقريش في دارها ، ومن خلفهم الأعراب والمشركون.
وحين يسترجع الإنسان هذه الصور يدرك معنى قوله تعالى: {هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين} .. ويذوق طعم اللفظ وطعم العبارة ، ويتصور الموقف يومئذ ويعيش فيه مع هذه النصوص ، ويحس برد السكينة وسلامها في تلك القلوب.
ولما كان الله يعلم من قلوب المؤمنين يومئذ ، أن ما جاش فيها جاش عن الإيمان ، والحمية الإيمانية لا لأنفسهم ، ولا لجاهلية فيهم. فقد تفضل عليهم بهذه السكينة: {ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم} والطمأنينة درجة بعد الحمية والحماسة ، فيها الثقة التي لا تقلق ، وفيها الرضى المطمئن باليقين.