أما الحديث عن الوفاء بالبيعة والنكث فيها في قوله تعالى: {إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ، يد الله فوق أيديهم ، فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ، ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجراً عظيما} فالإيحاء فيه أكثر إلى تكريم المبايعين وتعظيم شأن البيعة. والإشارة إلى النكث جاءت بمناسبة الحديث عن الأعراب المتخلفين ، وكذلك الإشارة إلى المنافقين والمنافقات فهي إشارة عابرة ، تدل على ضعف موقف هذه الطائفة ، وعلى خلوص الجماعة المسلمة بالمدينة ونضوجها وتجانسها. وهي على كل حال إشارة عابرة لا تشغل من السورة شيئاً مما شغله الحديث عن المنافقين في سورة محمد ، حيث كان للمنافقين شأنهم هم وحلفاؤهم اليهود. وهذا تطور آخر في موقف الجماعة المسلمة من ناحية موقفها الخارجي يساير ذلك التطور الذي تم في نفوسها من الداخل.
وواضح كذلك قوة المسلمين بالقياس إلى قوة المشركين في جو السورة كلها وفي آيات بنصها ؛ والإشارات إلى الفتوح المقبلة ، وإلى رغبة المخلفين في الغنائم السهلة واعتذارهم ، وإلى ظهورهذا الدين على الدين كله.. كلها تشي بما بلغت إليه قوة المسلمين في هذه الفترة بين نزول السورتين.
ففي حقيقة النفوس ، وفي حال الجماعة ، وفي الظروف المحيطة بها ، حدث تطور واضح ، يدركه من يتلمس خط السيرة في النصوص القرآنية.