قال الناصر: لا تخلو الآية من الفن المعروف عند علماء البيان باللف . وكان الأصل - والله أعلم -: فمن يملك لكم من الله شيئاً إن أرد بكم ضراً ، ومن يحرمكم النفع إن أراد بكم نفعاً ؛ لأن مثل هذه النظم يستعمل في الضر . وكذلك ورد في الكتاب العزيز مطرداً ، كقوله: {فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ} [المائدة: 17] ، {وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً} [المائدة: 41] ، {فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئاً هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ} [الأحقاف: 8] . ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في بعض الحديث: ( إني لا أملك لكم شيئاً ) - يخاطب عشيرته - وأمثاله كثيرة .
وسر اختصاصه بدفع المضرة أن الملك مضاف في هذه المواضع باللام ، ودفع المضرة نفع يضاف للمدفوع عنه ، وليس كذلك حرمان المنفعة ، فإنه ضرر عائد عليه ، لا له . فإذا ظهر ذلك ، فإنما انتظمت الآية على هذا الوجه ، لأن القسمين يشتركان في أن كل واحد منهما نفي لدفع المقدر من خير وشر ، فلما تقاربا أدرجهما في عبارة واحدة ، وخص عبارة دفع الضر ؛ لأنه هو المتوقع لهؤلاء ؛ إذ الآية في سياق التهديد ، أو الوعيد الشديد . وهي نظير قوله: {قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً} [الأحزاب: 17] ، فإن العصمة إنما تكون من السوء لا من الرحمة . فهاتان الآيتان يرامان في التقرير الذي ذكرته - والله أعلم - .