، هذا إن كان مقرباً ، وأما البعيد فإنه لا يلتفت إليه من أول الأمر ، بل لو أراد القرب طرد ، وعلى قراءة نافع وحمزة والكسائي بكسر"إن"على كونها شرطية يكون الكلام مسبوقاً على غاية ما يكون من الإنصاف ، فيكون المعنى: أنترككم مهملين فننحي عنكم الذكر والحال أنكم قوم يمكن أن تكونوا متصفين بالإسراف ، يعني أن المسرف أهل لأن يوعظ ويكلم بما يرده عن الإسراف ، وأنتم وإن ادعيتم أنكم مصلحون لا تقدرون أن تدفعوا عنكم إمكان الإسراف فكيف يدفع عنكم إنزال الذكر الواعظ وأنتم بحيث يمكن أن تكونوا مسرفين فتحتاجوا إليه - هذا ما لا يفعله حكيم في عباده ، بل هو سبحانه للطفه وزيادة بره لا يترك دعاء عباده إلى رحمته وإن كانوا مسرفين قد أمعنوا في الشراد ، والجحد والعناد ، فيدعوهم بأبلغ الحجة ، وهو هذا القرآن الذي هو أشرف الكتاب على لسان هذا النبي الذي هو أعظم الرسل ليهتدي من قدرت هدايته وتقوم الحجة على غيره.
ولما كان المعنى أن لا نترككم هملاً ، كان كأنه قيل: هيهات منكم فلنرفعنكم كما رفعنا بني إسحاق من إسرائيل وعيسى عليهم الصلاة والسلام ، فلقد أرسلنا إليكم مع أنكم أعلى الناس رسولاً هو أشرفكم نسباً وأزكاكم نفساً وأعلاكم همة وأرجحكم عقلاً وأوفاكم أمانة وأكرمكم خلقاً وأوجهكم عشيرة ، فعطف قوله تأنيساً للنبي - صلى الله عليه وسلم - وتأسية وتعزية وتسلية: {وكم أرسلنا} أي على ما لنا من القدرة على ذلك والعظمة الباهرة المقتضية لذلك.