وذكر البيضاوي: يقضي علينا: من قضى عليه إذا أماته وهو لا ينافي إبلاسهم فإنه جُؤار.
أقول: أرأيت كيف اختلف معنى (قضى) عند دخول هذه الحروف عليه؟ وهو مما يُوافق أوضاع اللغة ولا يُنافرها (فقضى عليه) تضمن معنى (أجهز عليه) بدليل جواب مالك: إنكم ماكثون ودليل آخر في قوله تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا) وقوله تعالى: (فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ) وقوله تعالى: (فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ) .
ففعل (القضاء) حين تعدى بالحروف أرأيت كيف اختلف معناه حسب الحرف المتعدي به؟!
وكذلك حين جاء متعديا بنفسه اختلف معناه حسب أسيقته: ففي يوسف: 68: (إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا) تضمَّن (قضى) معنى أنفذ، أو أظهر.
وفي البقرة: 117: (وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) تضمن معنى أراد.
وفي الأحزاب: 23: (فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ) تضمن معنى وفَّى نذره، حين استشهد.
وفي الأحزاب: 36: (إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا) تضمن معنى ألزم.
وفي طه: 72: (فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ) تضمَّن معنى اصنع ما أنت صانع.
وفي فصلت: 12: (فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ) تضمن معنى خلقهن.
وفي القصص: 28: (أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ) تضضن معنى وفَّيت.
وفي البقرة: 200 (فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ) تضمن معنى أديتم.
وفي عبس: 23 (كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ) تضمن معنى لم يقم بواجبه.
وفي الحج: 29 (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ) تضمن معنى يزيلوا وسخهم.
وفي الأنفال: 42 (وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا) تضمن معنى أمضى.
وهكذا حملنا ظاهر الفعل (قضى) على المحتمل المرجوح من معانيه بدليل يعضده السياق فيجعله راجحاً.
والحمل على السياق في هذه اللغة يكاد يكون مغفولاً عنه غير مأبوه له لِدقته ولُطفه. وكثرة الحمول في العربية (أي التضمين) مذهب شريف يمرّ به الكثير ساهين عن فضله. فلا تعدُ عيناك عنه فتطفئ مصباحاً من مصابيح هذه اللغة الشريفة. انتهى انتهى {التضمين النحوي في القرآن الكريم، للدكتور/ محمد نديم فاضل} ...