فإذا فهم هذا، فقوله جل ذكره: {صَفْحًا} على الوجه الأول: يجوز أن يكون مفعولًا له، على: أفنمسك عنكم إنزال القرآن إعراضًا عنكم؟ وأن يكون في موضع الحال، أي: صافحين، أو ذوي صفح. وأن يكون مصدرًا مؤكدًا لقوله: {أَفَنَضْرِبُ} ، لأنه في معنى أَفَنَصفَحُ؟.
وأما على الوجه الثاني: فيكون ظرفًا ليس إلا، على معنى: أفنمسك عنكم جانبًا؟ تعضده قراءة من قرأ: (صُفْحًا) بالضم، وقد جوز في هذه القراءة وجه آخر، وهو أن يكون تخفيف صفُحٍ جمع صفوح، كرُسُلٍ في جمع رسولٍ، فيكون انتصابه على الحال لا غير، أي: صافحين، فاعرفه فإنه موضع.
وقرئ: (أن كنتم) بفتح الهمزة، على أنها مفعول له، أي: لأن
كنتم، وقرئ: (إن كنتم) بكسرها، على أنها الشرطية، وجوابها محذوف دل عليه ما قبله، أي: إنْ كنتم قومًا مسرفين نضربْ عنكم، كقولك: أنت ظالم إن فعلت كذا.
{وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (6) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (7) فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ (8) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (9) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (10) وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (11) وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (12) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (13) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ (14) } :
قوله عز وجل: {وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (6) } : (كم) في موضع نصب بـ {أَرْسَلْنَا} .
وقوله: {وَمَا يَأْتِيهِمْ} حكاية حالط ماضية، أي: كانوا على ذلك.