(أَوْ جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ) يَعْنِي مُتَتَابِعِينَ، فِي قَوْلِ قَتَادَةَ.
مُجَاهِدٌ: يَمْشُونَ مَعًا.
ابْنُ عَبَّاسٍ: يُعَاوِنُونَهُ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ، وَالْمَعْنَى: هَلَّا ضَمَّ إِلَيْهِ الْمَلَائِكَةَ الَّتِي يَزْعُمُ أَنَّهَا عِنْدَ رَبِّهِ حَتَّى يَتَكَثَّرَ بِهِمْ وَيَصْرِفَهُمْ عَلَى أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ أَهْيَبَ فِي الْقُلُوبِ.
فَأَوْهَمَ قَوْمَهُ أَنَّ رُسُلَ اللَّهِ يَنْبَغِي أَنْ يكونوا كَرُسُلِ الْمُلُوكِ فِي الشَّاهِدِ، وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ رُسُلَ اللَّهِ إِنَّمَا أُيِّدُوا بِالْجُنُودِ السَّمَاوِيَّةِ، وَكُلُّ عَاقِلٍ يَعْلَمُ أَنَّ حِفْظَ اللَّهِ مُوسَى مَعَ تَفَرُّدِهِ وَوَحْدَتِهِ مِنْ فِرْعَوْنَ مَعَ كَثْرَةِ أَتْبَاعِهِ، وَإِمْدَادَ مُوسَى بِالْعَصَا وَالْيَدِ الْبَيْضَاءِ كَانَ أَبْلَغَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْوِرَةٌ أَوْ مَلَائِكَةٌ يَكُونُونَ مَعَهُ أَعْوَانًا - فِي قَوْلِ مُقَاتِلٍ - أَوْ دَلِيلًا عَلَى صِدْقِهِ - فِي قَوْلِ الْكَلْبِيِّ - وَلَيْسَ يلزم هذا لأن الاعجاز كاف، وَقَدْ كَانَ فِي الْجَائِزِ أَنْ يُكَذَّبَ مَعَ مَجِيءِ الْمَلَائِكَةِ كَمَا كُذِّبَ مَعَ ظُهُورِ الْآيَاتِ.
وَذَكَرَ فِرْعَوْنُ الْمَلَائِكَةَ حِكَايَةً عَنْ لَفْظِ مُوسَى، لِأَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ بِالْمَلَائِكَةِ مَنْ لَا يَعْرِفُ خالقهم.
(فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ(54)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ)
قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: الْمَعْنَى فَاسْتَجْهَلَ قَوْمَهُ
(فَأَطاعُوهُ) لِخِفَّةِ أَحْلَامِهِمْ وَقِلَّةِ عُقُولِهِمْ، يُقَالُ: اسْتَخَفَّهُ الْفَرَحُ أَيْ أَزْعَجَهُ، وَاسْتَخَفَّهُ أَيْ حَمَلَهُ عَلَى الْجَهْلِ، وَمِنْهُ (وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ) [الروم: 60] .
وَقِيلَ: اسْتَفَزَّهُمْ بِالْقَوْلِ فَأَطَاعُوهُ عَلَى، التَّكْذِيبِ.
وَقِيلَ: اسْتَخَفَّ قَوْمَهُ أَيْ وَجَدَهُمْ خِفَافَ الْعُقُولِ.
وَهَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يُطِيعُوهُ، فَلَا بُدَّ مِنْ إِضْمَارٍ بَعِيدٍ تَقْدِيرُهُ وَجَدَهُمْ خِفَافَ الْعُقُولِ فَدَعَاهُمْ إِلَى الْغِوَايَةِ فَأَطَاعُوهُ.