وَاخْتَارَ أَبُو عُبَيْدَةَ الْفَتْحَ فِي (أَنْ) وَهِيَ قِرَاءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ وَأَبِي عَمْرٍو وَعَاصِمٍ وَابْنِ عَامِرٍ، قَالَ: لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَاتَبَهُمْ عَلَى مَا كَانَ منهم، وعلمه قبل ذلك من فعلهم.
(لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ)
ذَكَرَ الْكِنَايَةَ لِأَنَّهُ رَدَّهُ إِلَى مَا فِي قَوْلِهِ (مَا تَرْكَبُونَ) ، قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ.
وَقَالَ الْفَرَّاءُ: أَضَافَ الظُّهُورَ إِلَى وَاحِدٍ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْجِنْسُ، فَصَارَ الْوَاحِدُ فِي مَعْنَى الْجَمْعِ بِمَنْزِلَةِ الْجَيْشِ وَالْجُنْدِ، فَلِذَلِكَ ذُكِّرَ، وَجَمَعَ الظُّهُورَ، أَيْ عَلَى ظُهُورِ هذا الجنس.
* قَوْلُهُ تَعَالَى: (لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ) يَعْنِي بِهِ الْإِبِلَ خَاصَّةً بِدَلِيلِ مَا ذَكَرْنَا.
وَلِأَنَّ الْفُلْكَ إِنَّمَا تُرْكَبُ بُطُونُهَا، وَلَكِنَّهُ ذَكَرَهُمَا جَمِيعًا فِي أَوَّلِ الْآيَةِ وَعَطَفَ آخِرَهَا على أحدهما.
ويحتمل أن يجعل ظاهرهما باطنهما، لأن الماء غمره وستره وباطنهما ظَاهِرًا، لِأَنَّهُ انْكَشَفَ لِلظَّاهِرِينَ وَظَهَرَ لِلْمُبْصِرِينَ.
(أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ(18)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَوَمَنْ يُنَشَّأُ) أَيْ يُرَبَّى وَيَشِبُّ.
وَالنُّشُوءُ: التَّرْبِيَةُ، يُقَالُ: نَشَأْتُ في بني فلان نشأ وَنُشُوءًا إِذَا شَبَبْتُ فِيهِمْ.
وَنُشِّئَ وَأُنْشِئَ بِمَعْنًى.
وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالضَّحَّاكُ وَابْنُ وَثَّابٍ وَحَفْصٌ وحمزة والكسائي وخلف (يُنَشَّأُ) بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ النُّونِ وَتَشْدِيدِ الشِّينِ، أَيْ يُرَبَّى وَيُكَبَّرُ فِي الْحِلْيَةِ.
وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْدٍ، لأن الإسناد فيها أعلى.
وقرا الباقون (يُنَشَّأُ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَإِسْكَانِ النُّونِ، وَاخْتَارَهُ أَبُو حَاتِمٍ، أَيْ يُرَسَّخُ وَيَنْبُتُ، وَأَصْلُهُ مِنْ نَشَأَ أَيِ ارتفع، قاله الهروي.
ف (ينشأ) مُتَعَدٍّ، وَ (يَنْشَأُ) لَازِمٌ.
* قَوْلُهُ تَعَالَى: (فِي الْحِلْيَةِ) أَيْ فِي الزِّينَةِ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ: هُنَّ الْجَوَارِي زِيُّهُنَّ غَيْرُ زِيِّ الرِّجَالِ.
قَالَ مُجَاهِدٌ: رُخِّصَ لِلنِّسَاءِ فِي الذَّهَبِ وَالْحَرِيرِ، وَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ.