«فَإِنْ قِيلَ» : لَمَّا بَيَّنَ تَعَالَى أَنَّهُ لَوْ فَتَحَ عَلَى الْكَافِرِ أَبْوَابَ النِّعَمِ، لَصَارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ عَلَى الْكُفْرِ، فَلِمَ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ بِالْمُسْلِمِينَ حَتَّى يَصِيرَ ذَلِكَ سَبَبًا لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ عَلَى الْإِسْلَامِ؟
قُلْنَا لِأَنَّ النَّاسَ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ كَانُوا يَجْتَمِعُونَ عَلَى الْإِسْلَامِ لِطَلَبِ الدُّنْيَا، وَهَذَا الْإِيمَانُ إِيمَانُ الْمُنَافِقِينَ، فَكَانَ الْأَصْوَبُ أَنْ يُضَيَّقَ الْأَمْرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، حَتَّى أَنَّ كُلَّ مَنْ دَخَلَ الْإِسْلَامَ، فَإِنَّمَا يَدْخُلُ فِيهِ لِمُتَابَعَةِ الدَّلِيلِ وَلِطَلَبِ رِضْوَانِ اللَّهِ تَعَالَى، فَحِينَئِذٍ يَعْظُمُ ثَوَابُهُ لِهَذَا السَّبَبِ.
(وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ(39)
يَعْنِي وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ كَوْنُكُمْ مُشْتَرِكِينَ فِي الْعَذَابِ وَالسَّبَبُ فِيهِ أَنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ الْمُصِيبَةُ إِذَا عَمَّتْ طَابَتْ، وَقَالَتِ الْخَنْسَاءُ فِي هَذَا الْمَعْنَى:
وَلَوْلَا كَثْرَةُ الْبَاكِينَ حَوْلِي ... عَلَى إِخْوَانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي
وَلَا يَبْكُونَ مِثْلَ أَخِي وَلَكِنْ ... أُعَزِّي النَّفْسَ عَنْهُ بِالتَّأَسِّي
فَبَيَّنَ تَعَالَى أَنَّ حُصُولَ الشَّرِكَةِ فِي ذَلِكَ الْعَذَابِ لَا يُفِيدُ التَّخْفِيفَ كَمَا كَانَ يُفِيدُهُ فِي الدُّنْيَا وَالسَّبَبُ فِيهِ وُجُوهٌ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ ذَلِكَ الْعَذَابَ شَدِيدٌ فَاشْتِغَالُ كُلِّ وَاحِدٍ بِنَفْسِهِ يُذْهِلُهُ عَنْ حَالِ الْآخَرِ، فَلَا جَرَمَ الشَّرِكَةُ لَا تُفِيدُ الْخِفَّةَ.
الثَّانِي: أَنَّ قَوْمًا إِذَا اشْتَرَكُوا فِي الْعَذَابِ أَعَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ صَاحِبَهُ بِمَا قَدَرَ عَلَيْهِ فَيَحْصُلُ بِسَبَبِهِ بَعْضُ التَّخْفِيفِ وَهَذَا الْمَعْنَى مُتَعَذِّرٌ فِي الْقِيَامَةِ
الثَّالِثُ: أَنَّ جُلُوسَ الْإِنْسَانِ مَعَ قَرِينِهِ يُفِيدُهُ أَنْوَاعًا كَثِيرَةً مِنَ السَّلْوَةِ.
فَبَيَّنَ تَعَالَى أَنَّ الشَّيْطَانَ وَإِنْ كَانَ قَرِينًا إِلَّا أَنَّ مُجَالَسَتَهُ فِي الْقِيَامَةِ لَا تُوجِبُ السَّلْوَةَ وَخِفَّةَ الْعُقُوبَةِ.