قال النخعي: كانوا يكرهون أن يذلوا أنفسهم فيجترئ عليهم السفهاء.
ولكن هذا الانتصار مشروط بالاقتصار على ما جعله الله - تعالى - له، وعدم مجاوزته، كما بينه - سبحانه - عقب ذلك بقوله: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فبين - سبحانه - أن العدل في الانتصار، هو الاقتصار على المساواة .. ».
ثم بين - سبحانه - ما هو أسمى من مقابلة السيئة بمثلها فقال: فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ.
أي: فمن عفا عمن أساء إليه، وأصلح فيما بينه وبين غيره فأجره كائن على الله - تعالى - وحده، وسيعطيه - سبحانه - من الثواب مالا يعلمه إلا هو - عز وجل - .
إنه - تعالى - لا يحب الظالمين بأى لون من ألوان الظلم.
وفي الحديث القدسي: «يا عبادي إنى حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا» .
ثم أكد - سبحانه - ما سبق أن بينه من أن دفع بغى الباغي أمر محمود، فقال تعالى وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ.
واللام في قوله وَلَمَنِ انْتَصَرَ هي لام الابتداء، وقوله بَعْدَ ظُلْمِهِ مصدر مضاف لمفعوله و «من» شرطية، وجوابها فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ والمراد بالسبيل:
المؤاخذة والحرج.
أي: أن من انتصر لدينه وعرضه، بعد ظلم الظالم له، فأولئك الذين يفعلون ذلك، لا يؤاخذون من أحد، ولا يلامون من غيرهم، لأنهم باشروا حقهم الذي شرعه الله - تعالى - لهم، وهو مقابلة السيئة بمثلها.
ثم بين - سبحانه - على من تقع المؤاخذة والمعاقبة فقال: إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ.
أي: إنما المؤاخذة والمعاقبة كائنة على الذين يظلمون غيرهم من الناس، ويتكبرون ويتجاوزون حدودهم في الأرض بغير الحق.
وقيد - سبحانه - البغي في الأرض بكونه بغير الحق، لبيان أنه لا يكون إلا كذلك، إذ معناه في اللغة تجاوز الحد. يقال: بغى الجرح، إذ تجاوز الحد في فساده، فهذا القيد إنما هو لبيان الواقع، وللتنفير منه.