ولما وصف حال الكفار، حكى ما يقوله المؤمنون فيهم، فقال: {وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا} وجاهدوا في الله تعالى حق جهاده، وربحوا على ربهم، وصيغة الماضي للدلالة على التحقق {إِنَّ الْخَاسِرِينَ} ؛ أي: المتصفين بحقيقة الخسران، وهو انتقاص رأس المال، وينسب إلى الإنسان فيقال: خسر فلان، وإلى الفعل فيقال: خسرت تجارته، ويستعمل ذلك في القنيات الخارجة، كالمال والجاه في الدنيا، وهو الأكثر. وفي القنيات النفيسة، كالصحة والسلامة والعقل والإيمان والثواب، وهو الذي جعله الله سبحانه الخسران، وكل خسران ذكره الله في القرآن الكريم، فهو على هذا المعنى الأخير، دون الخسران المتعلق بالقنيات الدنيوية، والتجارات البشرية، وخبر {إن} قوله: {الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ} ؛ أي: إن الكاملين في الخسران، هم هؤلاء الذين جمعوا بين خسران الأنفس والأهلين {يَوْمَ الْقِيَامَةِ} والظرف إما متعلق بـ {خَسِرُوا} فيكون القول في الدنيا، أو متعلق بـ {قَالَ} ؛ أي: يقولون لهم حين يرونهم على تلك الحالة، وعبر بالماضي، إشعارًا بتحققه، كما مر آنفًا، أما خسرانهم لأنفسهم فلكونهم صاروا في النار معذبين بها، وأما خسرانهم لأهليهم، فلأنهم إن كانوا معهم في النار. فلا ينتفعون بهم، وإن كانوا في الجنة، فقد حيل بينهم وبينهم، وقيل: خسران الأهل، أنهم لو آمنوا، لكان لهم في الجنة أهل من الحور العين.
وفي"التأويلات النجمية": إن الخاسرين هم الذين خسروا أنفسهم، بإبطال استعدادهم، إذ صرفوه في طلب الدنيا وزخارفها والالتذاذ بها، وخسروا أهليهم، إذ لم يقوا أنفسهم وأهليهم نارًا، بقبول الإيمان, وأداء الشرائع {أَلَا} حرف تنبيه {إِنَّ الظَّالِمِينَ} ؛ أي: المشركين الذين كانوا في جهنم، شهوات النفس جثيًا في الدنيا {فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ} في الآخرة؛ أي: دائم لا ينقطع إلى الأبد، وهذا إما من تمام كلام المؤمنين، أو من كلام الله سبحانه تصديقًا لهم.
والمعنى: أي ويقول المؤمنون يوم القيامة: إن المغبونين غبنًا لا غبن بعده، هم الذين خسروا أنفسهم، فأدخلوا في النار، وحرموا نعيم الأبد، وفرق بينهم وبين أحبابهم وأصحابهم وذوي قراباتهم.