وسِرٌّ آخَر وهو أنّ كلَّ معاني السورة مناسب لِما في حرف القاف من الشِّدّة والجهر والقلقلة والانفتاح» ( [41] ) -
أما سورة (ص) فإنّ الصوت الصفيريّ الذي افتُتِحَت به فسببه الخصومات المتعدّدة التي اشتملت عليها السورة وأوّلها «خصومة الكفّار مع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم - وقولهم: (أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا) [ص:5] ، إلى آخر كلامهم، ثم اختصام الخصْمَين عند داود، ثم تَخاصُم أهل النار، ثم اختصام الملأ الأعلى في العلم، وهو الدّرجات، والكفّارات، ثم تَخاصُم إبليس واعتراضه على ربِّه بالسجود، ثم اختصامه ثانياً في شأن بنِيه وحَلِفه لَيُغوِينّهم أجمعين إلاّ أهل الإخلاص منهم» ( [42] ) -
وكذلك الأمر في سورة: (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ" «فإنّ فواصلَها كلَّها على هذا الوزن، مع ما تضمّنَت من الألفاظ النونيّة» ( [43] ) -"
وقد أفاد بعض المعاصرين من ذلك فعَدَّ هذه الحروف وقال: «وقد عدَدتُ القافات التي وردت في هذه السورة (ق) فوجدتُها (57) مع أنّ آياتها (45) - وفي سورة (ن) قد تكرّرَ هذا الحرف فيها (124) مرّةً، وآياتها (52) ، وجميع فواصل هذه السورة تنتهي بهذا الحرف وهو (ن) إلاّ عشر آيات تنتهي بالحرف (ميم) ، وهذان الحرفان متقاربان موسيقيّاً، إذ هما حرف الغنَّة التي تخرج من الخيشوم، وقد ارتضَى هذا الرأي من المستشرقين (نولدكه) ، و (رودويل) في مقدمة ترجمته للقرآن» ( [44] ) -
إنّ هذه الملاحظات الصوتية وغيرها مِمّا أهملنا ذكرها تدلّ، بشكل لا يقبل الشك أو الترديد، على أهمية الجانب الصوتي في القرآن الكريم بِبُعدَيه الإعجازي والدلالي، وتدلّ كذلك على الدور الكبير الذي اضطلع به علماء الاسلام في رصد الأبعاد الصوتية المختلفة لكتاب الله -
1 -4 - ضياء الدين ابن الأثير