لعلّ من أكثر الباحثين الذين عناهم إعجاز القرآن من الناحية الصوتية هو ضياء الدين بن الأثير (ت 637 هـ) الذي عَكَفَ على كتب المتقدمين من أصحاب البيان والإعجاز دراسةً وتَمحيصاً، قبل تأليف كتابه: (المثل السائر) فانتهى إلى تحديد مقياس (الذّوق) أداةً للحُكم الجمالي على ألفاظ اللُّغة -
فالحسَن من الألفاظ هو ما استَحسَنه الذَّوق السليم، يقول: «واعلم أيها الناظر في كتابي أنّ مَدار علم البيان على حاكم الذوق السليم الذي هو أنفع من ذوق التعليم» ( [45] ) -
وقد ثبت عنده أنّ «الفصيح من الألفاظ هو الظاهر البيّن وإنما كان ظاهراً بَيّناً لأنه مألوف الاستعمال، وإنما كان مألوف الاستعمال لمكان حُسنِه، وحُسنُه مُدرَك بالسّمع، والذي يُدرك بالسمع إنما هو اللّفظ لأنه صوت يأتلف عن مخارج الحروف، فما استلذَّه السّمع منه فهو الحسَن» ( [46] ) -
وفي محاولة منه لإثبات نظريته هذه يلجأ إلى قياس حاسة السّمع التي تلتقط الأصوات ومقارنتها بالحواس الأخرى فيقول: «ومن له أدنى بصيرة يعلم أنّ للألفاظ في الأذن نغمةً لذيذةً كنغمة أوتار، وصوتاً مُنكَراً كصوت حمار، وأنّ لها في الفم أيضاً حلاوة كَحَلاوة العَسَل، ومَرارة كمَرارة الحنظل، وهي على ذلك تجري مجرَى النّغمات والطّعوم» ( [47] ) -