ومِمّا اهتدى إليه ابن الأثير في تصويره لكيفية تلقّي الألفاظ من قِبَل المتلقّي قوله: «وبعد هذا فاعلم أنّ الألفاظ تجري من السّمع مَجرَى الأشخاص من البصَر، فالألفاظ الجزلة تُتَخيّل في السّمع كأشخاص عليها مَهابة ووقار، والألفاظ الرقيقة تُتَخيّل كأشخاص ذي دَماثة ولين أخلاق ولطافة مزاج، ولهذا ترى ألفاظ أبي تمام كأنها رجال قد ركبوا خيولهم واستلأموا سِلاحهم وتأهَّبوا للطِّراد وترَى ألفاظ البحتري كأنها نساءٌ حِسان عليهم غلائل مُصبَّغات وقد تَحَلّين بأصناف الحلّي، وإذا أنعمتَ نظرك فيما ذكرتُه ههنا وجدتَني قد دلَلْتُك على الطريق وضربتُ لك أمثالاً مناسبة» ( [48] ) -
ومثله الأعلَى في كلِّ ذلك هو أسلوب القرآن الكريم لأنّنا «إذا نظرنا إلى كتاب الله تعالى الذي هو أفصح الكلام وجدناه سَهلاً سَلساً، وما تضمّنه من الكلمات الغريبة يسيرٌ جداً، هذا وقد أُنزل في زمن العرب العرباء، وألفاظه كلّها من أسهل الألفاظ وأقربها استعمالاً وكفَى به قدوة في هذا الباب» ( [49] ) -
1 -4 - 1 - معايير الإعجاز الصوتي في القرآن
وبعد أن حَدّد ابن الأثير روحَ الجمال اللُّغوي وجوهره الذي حصره في (إمتاع الصوت للأذن) عَمَد إلى القرآن مُتلمّساً الشواهد التي تُؤيد مذهبه، بالإستناد إلى عدد من المعايير ( [50] ) منها:
1 -4 - 1 - 1 - عدد أحرف الكلمة
نفَى أن يكون من أوصاف الكلمة أن تكون مؤلّفة من أقلّ الأوزان تركيباً كما ذهب ابن سنان الخفاجي «والدليل على ذلك أنّه قد ورد في القرآن الكريم ألفاظ طِوال وهي مع ذلك حَسَنة كقوله تعالى: (فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ) [البقرة:137] فإنّ هذه اللّفظة تسعة أحرف، وكقوله تعالى: (لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ) [النور:55] فإنّ هذه اللّفظة عشرة أحرف، وكلتاهما حَسَنة رائقة، ولو كان الطُّول مِمّا يوجب قُبحاً لَقبُحَتْ هاتان اللّفظتان» ( [51] ) -