والعِلّة في جميع ذلك أنّ القراءةَ أسهل بكثير من الكتابة، فهي متيسِّرة لجميع الناس، والكتابة ليست كذلك، كما أنّ الكتابةَ يُبذَلُ فيها جُهدٌ أكبر من القراءة لاحتياجها إلى أدواتٍ من قلم ودواةٍ وقرطاس، والقراءة ليست كذلك، ولهذا فإنّ قِلّةَ الحروف المقطّعة، وما ينتج عنها من قلّة مقاطعها الصوتية، وسهولة ذلك على النطق والقراءة ناسَبه ورود لفظ (القرآن) -
أمّا كثرة الحروف المقطّعة، وما ينتج عنها من كثرة المقاطع الصوتية، فإنها أثقل نطقاً، لذا تلاها لفظ (الكتاب) ، لِتَناسُبِ الجهد المبذول في الكتابة مع الجهد المبذول في نطق المقاطع الكثيرة في الحروف المقطّعة -
2 -سِرُّ تركيب"الم"ودلالة كلٍّ صوت من أصواتها الثلاثة، فإنّ «الألف إذا بُدِئَ بها أوّلاً كانت همزةً، وهي أوّل المخارج من أقصَى الصدر، واللاّم من وسط مخارج الحروف، وهي أشدّ الحروف اعتماداً على اللِّسان، والميم آخِر الحروف ومخرجها من الفم - وهذه الثلاثة هي أصل مخارج الحروف؛ أعني: الحلق واللسان والشفتين، وترتّبت في التنزيل من البداية، إلى الوسط، إلى النهاية - - -
وكلّ سورة استُفتِحَت بهذه الأحرف فهي مشتملة على مبدأ الخلق ونهايته وتوسّطه، مشتملة على خلق العالم وغايته، وعلى التّوسُّط بين البداية من الشرائع والأوامر - فتأمّلْ ذلك في سورة البقرة، وآل عمران، وتنزيل السجدة، وسورة الروم» ( [40] ) -
3 -السُّوَر المفتَتَحة بالحروف المفردة، وهي: (ق) و (ص) و (ن) تشتمل الكثيرُ من كلماتها على الحرف المبدوء بها - فالسورة المفتَتَحة بقوله تعالى: (ق وَالْقُرْآَنِ الْمَجِيدِ) [ق:1] «مبنيّةٌ على الكلمات القافيّة؛ من ذِكر القرآن، ومن ذِكر الخلق، وتكرار القول ومراجعته مِراراً، والقرب من ابن آدم، وتَلقِّي الملكَين، وقول العَتيد، وذكر الرقيب، وذكر السابق، والقرين، والإلقاء في جهنّم - - -