والمقصودُ: الإخبار بحالهم أولاً ، والتعجيب منه ثانياً ، فلم يقل: والظالمون لما رأوا العذاب يقولون ، وإنما قيل: {وترى الظالمين} للاعتبار بحالهم.
ومجيء فعل {رأوا العذاب} بصيغة الماضي للتنبيه على تحقيق وقوعه ، فالمضي مستعار للاستقبال تشبيهاً للمستقبل بالماضي في التحقق ، والقرينة فعل {ترى} الذي هو مستقبل إذ ليست الرؤية المذكورة بحاصلة في الحال فكأنه قيل: لما يَرون العذاب.
وجملة {يقولون} حال من {الظالمين} أي تراهم قائلين ، فالرؤية مقيدة بكونها في حال قولهم ذلك ، أي في حال سماع الرائي قولهم.
{وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ}
أعيد فعل (ترى) للاهتمام بهذه الرؤية وتهويلها كما أعيد فعل (تلاقوا) في قول ودَّاكٍ بن ثُمْيل المازني:
رويداً بني شيبان بعضَ وعيدكم...
تُلاَقوا غداً خيلي على سَفَوَانِ
تُلاقوا جياداً لا تَحِيدُ عن الوغَى...
إذا ظَهَرتْ في المَأْزِق المُتَدَانِي
والعَرْض: أصله إظهار الشيء وإراءته للغير ، ولذلكَ كان قول العرب: عَرَضْتُ البَعير على الحوض معدوداً عند علماء اللغة وعلماء المعاني من قبيل القَلْب في التركيب ، ثم تتفرع عليه إطلاقات عديدة متقاربة دقيقة تحتاج إلى تدقيق.
ومن إطلاقاته قولهم: عَرْض الجندِ على الأمير ، وعرض الأسرى على الأمير ، وهو إمرارهم ليرى رأيه في حالهم ومعاملتهم ، وهو إطلاقه هنا على طريق الاستعارة ، استعير لفظ {يعرضون} لمعنى: يُمَرُّ بهم مَرًّا عاقبته التمكن منهم والحكمُ فيهم فكأنَّ جهنم إذا عرضوا عليها تحكم بما أعدّ الله لهم من حريقها ، ويفسره قوله في سورة الأحقاف (20) {ويَوم يُعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها} الآية.
وقد تقدم إطلاق له آخر عند قوله تعالى: {ثم عَرَضَهم على الملائكة} في سورة البقرة (31) .