وضمير {بعده} راجع إلى اسم الجلالة ، أي من بعد الله كقوله تعالى: {فمن يهديه من بعد الله أفلا تذّكرون} في سورة الجاثية (23) .
ومعنى {بعد} هنا بمعنى (دُون) أو (غير) ، استعير لفظ {بعد} لمعنى (دون) لأن {بعد} موضوع لمن يخلف غائباً في مكانه أو في عمله ، فشبه ترك الله الضالَّ في ضلاله بغيبة الولي الذي يترك مولاه دون وصي ولا وكيل لمولاه وتقدم في قوله تعالى: {فبأي حديث بعده يؤمنون} في سورة الأعراف (185) وقوله: {فماذا بعد الحق إلا الضلال} في سورة يونس (32) .
و {من} زائدة للتوكيد.
ومن مواضع زيادتها أن تزاد قبل الظروف غيرِ المتصرفة قال الحريري"وما منصوب على الظرف لا يخفضه سوى حرف".
{بَعْدِهِ وَتَرَى الظالمين لَمَّا رَأَوُاْ العذاب يَقُولُونَ هَلْ إلى مَرَدٍّ مِّن} .
عطف على جملة {ومن يضلل الله فما له من ولي من بعده} ، وهذا تفصيل وبيان لما أجمل في الآيتين المعطوف عليهما وهما قوله: {ويعلم الذين يجادلون في آياتنا ما لهم من محيص} [الشورى: 35] ، وقوله: ومن يضلل الله فما له من ولي من بعده.
والمعنى: أنهم لا يجدون محيصاً ولا ولياً ، فلا يجدون إلا الندامة على ما فات فيقولُوا {هل إلى مرد من سبيل} .
والاستفهام بحرف {هل} إنكاري في معنى النفي ، فلذلك أدخلت {مِن} الزائدة على {سبيل} لأنه نكرة في سياق النفي.
والمَرَد: مصدر ميمي للردّ ، والمراد بالرد: الرجوع ، يقال: رده ، إذا أرجعه.
ويجوز أن يكون {مَرَد} بمعنى الدفع ، أي هل إلى ردّ العذاب عنا الذي يبدو لنا سبيلٌ حتى لا نقع فيه ، فهو في معنى {إن عذاب ربك لواقع ما له من دافع} في سورة الطور (8) .
والخطاب في ترى لغير معيّن ، أي تناهت حالهم في الظهور فلا يختص به مخاطب ، أو الخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم تسليةً له على ما لاقاه منهم من التكذيب.