ثم أوضح الله تعالى سبب عنادهم وإصرارهم على كفرهم، فقال:
أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ، أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ. ألا أيها المخاطب، إن كفار قريش وأمثالهم في شك من البعث والحساب والثواب والعقاب، ألا أيها الإنسان، إن الله قد أحاط علمه بجميع المعلومات، وأحاطت قدرته بجميع المقدورات، فهو محيط بكل شيء علما وقدرة، والمخلوقات كلها تحت قهره وفي قبضته، وفي مرصد علمه، وهو المتصرف فيها كلها بحكمة، وسيجازي الكفار وغيرهم على أعمالهم، فما لهم يشكون في البعث والنشور، وقد علموا أن الله خلقهم أول مرة؟!
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
1 -بما أن القرآن نزل بلغة العرب، وهم أدرى الناس به وبصحته، فلا أحد أضل منهم في الإعراض عنه، لفرط الشقاق والعداوة.
2 -أقام الله تعالى أدلة وعلامات كثيرة على وحدانيته وقدرته، منها آيات الآفاق والأنفس، وآيات الآفاق: هي الآيات الفلكية والكوكبية، وآيات الليل والنهار، وآيات الأضواء والظلمات، وآيات عالم العناصر الأربعة (الماء والتراب والهواء والنار) وكذا فتح البلاد المحيطة بمكة.
وآيات الأنفس: كيفية تكون الأجنة في ظلمات الأرحام، وتخلق الأعضاء العجيبة، والتركيبات والخواص الغريبة، وكذا فتح مقر الشرك مكة.
فإبداع الكون سمائه وأرضه، وإبداع خلق الإنسان وما يطرأ على البلاد من تغيرات الفتوح والممالك والسلاطين، وعلى الناس من تبدل من عزة إلى ذلة وبالعكس، دليل على وجود الله المتصرف في مخلوقاته، المهيمن على عباده، المدبر لكل شيء يحدث في الوجود.
3 -كفى بالله شاهدا على أنه خلق الدلائل على الأشياء، وعلى أفعال وأقوال عباده، وكفى به شاهدا على أن القرآن من عند الله، كما قال تعالى: قُلْ: أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً؟ قُلِ: اللَّهُ [الأنعام 6/ 19] وقال سبحانه: لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ، أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ [النساء 4/ 166] .
والمقصود: ألم تكفهم هذه الدلائل الكثيرة التي أوضحها الله تعالى وقررها في هذه السورة وغيرها من سور القرآن الدالة على التوحيد والتنزيه والعدل والنبوة؟!