وما نتج هذا إلا من شدة رغبته في الدنيا، وعظيم نفرته من الآخرة، فهو حين ينظر إلى أحوال الدنيا، يقول: إنها لي، وأنا جدير بها، لما لي من فضل به استحققتها، وحين ينظر إلى أحوال الآخرة يقول: وما أظن الساعة قائمة، وهذا خاص بالكافرين والمنافقين، فيكون المراد بالإنسان المذكور في صدر الآية: الجنس، باعتبار غالب أفراده؛ لأنّ اليأس من رحمة الله، والقنوط من خيره، والشك في البعث لا يكون إلا من الكافرين، أو المتزلزلين في الدين، المتظهّرين بالإِسلام، المبطنين للكفر.
{وَلَئِنْ رُجِعْتُ} ورددت {إِلَى رَبِّي} وبعثت على تقدير صدق ما يخبرنا به الأنبياء، من قيام الساعة، وحصول البعث والنشور {إِنَّ لِي عِنْدَهُ ...} ؛ أي: عند ربي في الآخرة {لَلْحُسْنَى} ؛ أي: للحالة الحسنة من الكرامة، فظنّ أنه استحقّ خير الدنيا بما فيه من الفضل، واستحق خير الآخرة بذلك الفضل، الذي اعتقده في نفسه، وأثبته لها، فقاس أمر الآخرة على أمر الدنيا بالوهم المحض، والأمنية الكاذبة، وهو اعتقاد باطل، وظن فاسد.
وبعد أن حكى عنهم هذه الأقوال، ذكر أنه سيظهر لهم، أنّ الأمر بعكس ما يظنون وبضد ما يعتقدون، فقال: {فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا} ؛ أي: فعزتي وجلالي، لنخبرن هؤلاء الكافرين يوم يرجعون فيه إلينا، وهو يوم القيامة {بِمَا عَمِلُوا} في الدنيا من المعاصي، واجترحوا من الآثام، وما دسوا به أنفسهم من الخطايا، ثمّ لنجازينهم عليها، فيستبين لهم أنهم جديرون بالإهانة والاحتقار، لا بالكرامة والإحسان {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ} ، أي: من عذاب شديد، بسبب ذنوبهم، لا يعرف كنهه، ولا يمكنهم التفصي ولا الفكاك منه، لغلظته وإحاطته بجميع جهاتهم، وهو عذاب جهنم التي لا موت فيها، ولا يجدون عنها حولًا، واللام هذه والتي قبلها هي الموطئة للقسم. وفي"بحر العلوم"غليظ؛ أي؛ شديد أو عظيم، بدل ما اعتقدوه لأنفسهم من الإكرام والإعزاز من الله تعالى.