فقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا} [فصلت: 30] و [الأحقاف: 13] ، إشارة إلى المرتبة الأولى . وهي اكتساب الأحوال التي تفيد كمال النفس في جوهرها . فإذا حصل الفراغ من هذه المرتبة ، وجب الانتقال إلى المرتبة الثانية ، وهي الانتقال بتكميل الناقصين ، وذلك إنما يكون بدعوة الخلق إلى الدين الحق ، وهو المراد من قوله تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً} الآية .
واعلم أن من آتاه الله قريحة قوية ، ونصيباً وافياً من العلوم الإلهية ، عرف أنه لا ترتيب أحسن ولا أكمل من ترتيب آيات القرآن ، أفاده الرازي .
الثالثة - يدخل في الآية كل من دعا إلى الله بطريق من الطرق المشروعة ، وسبيل من السبل المأثورة ؛ لأن الدعوة الصحيحة هي الدعوة النبوية ، ثم ما انتهج منهجها في الصدع بالحق ، وإيثاره على الخلق .
الرابعة - في الآية دليل على وجوب الدعوة إلى الله تعالى - على ما قرره الرازي - لأن الدعوة إلى الله أحسن الأعمال ، وكل ما كان أحسن الأعمال ، فهو واجب .
الخامسة - احتج من جوز قول: أنا مسلم . بدون تعليق على المشيئة بهذه الآية . وقال: إطلاقها يدل على أن ذلك هو الأولى ، والمسألة معروفة بسطها الغزالي في"الأحياء".
وللإمام ابن حزم في"الفِصل"تحقيق لطيف لا بأس بإيراده . قال - رحمه الله: اختلف الناس في قول المسلم: أنا مؤمن . فروينا عن ابن مسعود وجماعة من أصحابه الأفاضل ، ومن بعده من الفقهاء ، أنه كره ذلك . وكان يقول: أنا مؤمن إن شاء الله . وقال بعضهم: آمنت بالله ، وملائكته ، وكتبه ، ورسله . وكانوا يقولون: من قال أنا مؤمن ، فليقل إنه من أهل الجنة .