وهو مشرب صوفيّ ومنزع فلسفيّ، فيه شية من الرقة: {وَلَكُمْ فِيهَا} أي: في الآخرة: {مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ} أي: من الروح، والريحان، والنعيم المقيم: {وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ} أي: تتمنون: {نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ} أي: إكراماً معداً لكم، من غفور لذنوبكم، ورحيم بتفضله وتطوله.
{وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} أي: لا أحد أحسن مقالاً ممن دعا الناس إلى عبادته تعالى، وكان من الصالحين المؤتمرين، والمسلمين وجوههم إليه تعالى في التوحيد.
[لطائف]
الأولى - قال القاشاني: وإنما قدم الدعوة إلى الحق والتكميل؛ لكونه أشرف المراتب، ولاستلزامه الكمال العلمي والعملي، وإلا لما صحت الدعوة. انتهى.
الثانية - في الآية إشارة إلى ترغيبه صلى الله عليه وسلم في الإعراض عن المشركين، وعما كانوا يقولونه من اللغو في التنزيل، مما قصه تعالى عنهم فيما تقدم. وإرشاده إلى المواظبة على التبليغ، والدعوة، ببيان أن ذلك أحسن الطاعات ورأس العبادات، فهذا هو سر انتظام هذه الآية في إثر ما سبق. وثمة وجه آخر. وهو أن مراتب السعادات اثنان: كامل وأكمل. أما الكامل فهو أن يكتسب من الصفات الفاضلة ما لأجلها يصير كاملاً في ذاته. فإذا فرغ من هذه الدرجة، اشتغل بعدها بتكميل الناقصين.