ومفعول {ادْفَع} محذوف دل عليه انحصار المعنى بين السيئة والحسنة ، فلما أمر بأن تكون الحسنة مدفوعاً بها تعيّن أن المدفوع هو السيئة ، فالتقدير: ادفع السيئة بالتي هي أحسن كقوله تعالى: {ويدرءون بالحسنة السيئة} في سورة الرعد (22) وقوله: {ادفع بالتي هي أحسن السيئة} في سورة المؤمنين (96) .
و {التي هي أحسن} هي الحسنة ، وإنما صيغت بصيغة التفضيل ترغيباً في دفع السيئة بها لأن ذلك يشق على النفس فإن الغضب من سوء المعاملة من طباع النفس وهو يبعث على حب الانتقام من المسيء فلما أُمر الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يجازي السيئة بالحسنة أشير إلى فضل ذلك.
وقد ورد في صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم"ولا يدفع بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح".
وقد قيل: إن ذلك وصفه في التوراة.
وفرع على هذا الأمر قوله: {فَإِذَا الذي بَيْنَك وبينه عداوة كأنَّه وليٌّ حَمِيمٌ} لبيان ما في ذلك الأمر من الصلاح ترويضاً على التخلق بذلك الخُلق الكريم ، وهو أن تكون النفس مصدراً للإحسان.
ولما كانت الآثار الصالحة تدل على صلاح مَثَارِها.
وأَمَرَ الله رسوله صلى الله عليه وسلم بالدفع بالتي هي أحسن أردفه بذكر بعض محاسنه وهو أن يصير العدو كالصديق ، وحُسن ذلك ظاهر مقبول فلا جرم أن يدل حُسنه على حسن سببه.
ولذكر المُثُل والنتائج عقب الإرشاد شأن ظاهر في تقرير الحقائق وخاصة التي قد لا تقبلها النفوس لأنها شاقة عليها ، والعداوة مكروهة والصداقة والولاية مرغوبة ، فلما كان الإحسان لمن أساء يدنيه من الصداقة أو يُكسبه إياها كان ذلك من شواهد مصلحة الأمر بالدفع بالتي هي أحسن.
و (إذا) للمفاجأة ، وهي كناية عن سرعة ظهور أثر الدفع بالتي هي أحسن في انقلاب العدوّ صديقاً.