من جهلهم بالعلوم الكونية ومعاداتهم لها. وتحكيمهم الدين فيها. مؤذن باضمحلالها.
ومفض إلى زوالها. فأخذوا بزمامها , وقادوها بخطامها. وقربوا بين عالمي الملك
والملكوت. وقرنوا بين علمي الناسوت واللاهوت. وبهذا أمكنهم حفظ حرمة الدين ,
وإعلاء كلمته بين العالمين. وديننا هو الذي ربط بين العالمين , ولكننا نقطع
الروابط. وجمع بين العلمين ولكننا نهدم الجوامع. ولهذا جهلنا وتعلموا. وسكتنا
وتكلموا. وتأخرنا وتقدموا. ونقصنا وزادوا. واستُعبدنا وسادوا.
(رابعها) : إلقاء الدعوة بصوت ينبه العقول والفكر. وصيحة تستلفتها إلى
البحث والنظر. وتشوق النفوس إلى غايتها. وتخيفها من مغبة مخالفتها. وهذا
الشرط قد نطق به المتكلمون , ونص بعضهم على أن من لم تبلغه الدعوة على وجه
يستلفت إلى النظر يكون معذورًا إذا بقي على كفره. ولا يمكن تحديد هذا الشرط إلا
ببيان ما يدعى إليه الداعون. ويرشد إليه المصلحون. ومن نظر في تاريخ الملل ,
وأخبار دعاة المذاهب والنحل. يعلم أنه لم ينشر مذهب ولا دين. إلا وكان هذا
الشرط ركنه الركين. ومن شواهده في القرآن العزيز قوله تعالى: وَقُل لَّهُمْ فِي
أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً (النساء: 63)
(خامسها) : التلطف في القول , والرفق في المعاملة. وهذا أوّل ما يتبادر
إلى الفهم من قوله تعالى: {وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} (النحل: 125) والقرآن
يبين هذا في مواطن كثيرة وآيات متعددة. اقرأ إن شئت قوله عز وجل: وَإِنَّا أَوْ
إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ * قُل لاَّ تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلاَ نُسْأَلُ عَمَّا
تَعْمَلُونَ (سبأ: 24 - 25) فما بعد هذا التلطف فَجّ يُسَار فيه. ولا وراء هذا
الرفق غاية ينتهى إليها. والسر فيه أن النفوس جبلت على حب الكرامة. وتربَّتْ
في الغالب على الرعونة. ونشأت على التقيّد بالعادة. فمن رام الخروج بها عن
عادها. وصرفها عن غيها إلى رشادها. ولم يمزج مرارة الحق بحلاوة الرفق ,
ولم يصقل خشونة التكليف بصقال القول اللين اللطيف كان إلى الانقطاع أقرب
منه إلى الوصول. ودعوته أجدر بالرفض من القبول. وإن أردت الدليل الصريح