وهذا الفن هو فن رفيع من فنون البلاغة ، وهو أن يبادر المتكلم خصمه بما يلجئه إلى الاعتراف بصحته ، وبهذا صح التحاقه مع ما قبله من الكلام ، فإن مجادلتهم في آيات اللّه كانت مشتملة على أمور كثيرة من الجدال والمغالطة واللجاج والسفسطة ، وفي مقدمتها إنكار البعث. وهو في الواقع أصل المجادلة ومحورها الذي تدور عليه ، فبادر سبحانه إلى مبادهتهم بما يسقط في أيديهم ، ويقطع عليهم طرق المكابرة والمعاندة ، وهو خلق السماوات والأرض ، وقد كانوا مقرين
بأن اللّه خالقها ، وبأنها خلق عظيم ، فخلق الناس بالقياس شي ء هين ، ومن قدر على خلقها مع عظمها كان ولا شك على خلق الإنسان الضعيف أقدر ، وهو أبلغ من الاستشهاد بخلق مثله. والأولوية في هذا الاستشهاد ثابتة بدرجتين: إحداهما:
أن القادر على العظيم هو على الحقير أقدر. وثانيتهما: أن مجادلتهم كانت في البعث وهو الإعادة ، ولا شك أن الابتداء أعظم وأبهر من الإعادة.
2 -التفنن وأسلوب الكلام: في قوله تعالى"وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَلَا الْمُسِي ءُ".