وقبل أن يذكر كيف كان هذه العاقبة , يصف حال الذين من قبلهم , ويقرن إليها حالهم هم لتتم الموازنة , وتتم العبرة:
(كانوا أكثر منهم , وأشد قوة وآثاراً في الأرض) . .
توافرت لهم الكثرة والقوة والعمران . ومن هؤلاء أجيال وأمم كانت قبل العرب , قص الله على رسوله بعضها , ولم يقصص عليه بعضها . ومنهم من كان العرب يعرفون قصته ويمرون بآثاره . .
(فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون) . .
ولم تعصمهم قوة ولا كثرة ولا عمارة , مما كانوا يعتزون به ويغترون . بل كان هذا هو أصل شقائهم , وسبب هلاكهم:
(فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم) . .
والعلم - بغير إيمان - فتنة . فتنة تعمي وتطغي . ذلك أن هذا اللون من العلم الظاهري يوحي بالغرور , إذ يحسب صاحبه أنه يتحكم بعلمه هذا في قوى ضخمة , ويملك مقدرات عظيمة , فيتجاوز بنفسه قدرها ومكانها ! وينسى الآماد الهائلة التي يجهلها . وهي موجودة في هذا الكون ; ولا سلطان له عليها . بل لا إحاطة له بها . بل لا معرفة له بغير أطرافها القريبة . وبذلك ينتفخ فيأخذ أكثر من حقيقته . ويستخفه علمه وينسى جهله . ولو قاس ما يعلم إلى ما يجهل وما يقدر عليه في هذا الكون إلى ما يعجز حتى عن إدراك سره لطامن من كبريائه , وخفف من فرحه الذي يستخفه .
وهؤلاء فرحوا بما عندهم من العلم . واستهزأوا بمن يذكرهم بما وراءه:
فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (84) فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ (85)
(وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون) . .
فلما عاينوا بأس الله , سقط عنهم القناع , وأدركوا مدى الغرور , واعترفوا بما كانوا ينكرون , وأقروا بوحدانية الله , وكفروا بشركائهم من دونه . ولكن الأوان كان قد فات: