و {أم} في قولهم: {أم زاغت} معادلة ل {ما} في قولهم: {ما لنا لا نرى} وذلك أنها قد تعادل {ما} ، وتعادل من ، وأنكر بعض النحويين هذا ، وقال: إنها لا تعادل إلا الألف فقط. والتقدير في هذه الآية: أمفقودون هم أم زاغت؟ ومعنى هذا الكلام: أليسوا معنا أم هم معنا؟ ولكن أبصرنا تميل عنهم فلا تراهم ، والزيغ: الميل.
ثم أخبر الله تعالى نبيه بقوله: {إن ذلك لحق تخاصم أهل النار} و: {تخاصم} بدل من قوله: {لحق} .
وقرأ ابن أبي عبلة:"تخاصمَ"بفتح الميم. وقرأ ابن محيصن:"تخاصمٌ"بالتنوين"أهلُ النار"برفع اللام.
ثم أمر نبيه أن يتجرد للكفار من جيمع الأغراض ، إلا أنه منذر لهم ، وهذا توعد بليغ محرك للنفوس ، وباقي الآية بين.
قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (67)
الإشارة بقوله تعالى: {قل هو نبأ عظيم} إلى التوحيد والمعاد ، فهي إلى القرآن وجميع ما تضمن ، وعظمه أن التصديق به نجاة ، والتكذيب به هلكة. وحكى الطبري: أن شريحاً اختصم إليه أعرابي فشهد عليه ، فأراد شريح أن ينفذ الحكم ، فقال له الأعرابي: أتحكم بالنبأ؟ فقال شريح: نعم ، إن الله يقول: {قل هو نبأ} ، وقرأ الآية حكم عليه.
قال القاضي أبو محمد: وهذا الجواب من شريح إنما هو بحسب لفظ الأعرابي ولم يحرر معه الكلام ، وإنما قصد إلى ما يقطعه به ، لأن الأعرابي لم يفرق بين الشهاد والنبأ.
والنبأ في كلام العرب بمعنى: الخبر ، ووبخهم بقوله: {أنتم عنه معرضون} ، ثم قال: {ما كان لي من علم بالملإ الأعلى إذ يختصمون} وهذا احتجاج لصحة أمر محمد صلى الله عليه وسلم كأنه يقول: هذا أمر خطر وأنتم تعرضون عنه مع صحته ، ودليل صحته أني أخبركم فيه بغيوب لم تأت إلا من عند الله ، فإني لم يكن لي علم بالملأ الأعلى ، أراد به الملائكة. والضمير في: {يختصمون} عند جمهور المفسرين هو للملائكة.