لكن لا يحتمل أن يكونوا يقولون على هذا الذي يقوله أهل التأويل، ولكن يقولون على التلهف والتندم على ما كان منهم في الدنيا من ترك اتباعهم والسخرية منهم قد ظهر عندهم أن أُولَئِكَ كانوا على حق - أعني: رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وأصحابه - وأنهم على باطل، فلا يحتمل أن يقولوا ذلك على غير التلهف والتندم، وقد عرفوا بماذا عذبوا وجعلوا في النار؟ عرفوا أنهم لا يكونون في النار - يعني: أصحاب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - إذ كانوا على خلاف ما كان أُولَئِكَ الكفرة عليه، واللَّه أعلم.
أو أن يقولوا ذلك على الاستغاثة بهم يقولون: أين أُولَئِكَ الذين كانوا اتخذناهم سخريا في الدنيا لعلهم يشفعوننا فيعينوننا يطمعون النجاة إذا اتبعوهم في ذلك الوقت أو نحو ذلك؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ) ، وهذا الذي ذكرنا هو أشبه مما يقوله أهل التأويل، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ(64)
قَالَ بَعْضُهُمْ: القسم بقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ص وَالْقُرْآنِ) وقع على هذا على ما ذكرنا.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: هذا على التقديم والتأخير، يقول: إن ذلك الذي ذكره من إحن بعض على بعض حيث قالوا: (بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا) ، وقولهم: (رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ) ، وما ذكر في سورة الأعراف: (قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ ...) ، كذا و (أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ) ، كذا، أي: ذلك التخاصم الذي ذكر الحق، أي: كائن فيما بينهم، واللَّه أعلم. انتهى انتهى {تفسير الماتريدي. 8/ 636 - 643} ...