وقال يزيدُ الرقاشي لحبيبٍ العجميِّ: ما أعلمُ شيئًا أقرّ لعيونِ العابدينَ في
الدنيا من التهجدِ في ظلمةِ الليلِ ، وما أعلم شيئًا من نعيم الجنانِ وسرورها
ألذُّ عند العابدينَ ولا أقرَّ لعيونِهم من النظرِ إلى ذي الكبرياءِ العظيم إذا رُفعتْ
تلكَ الحجب ، وتجلَّى لهم الكريم ، فصاحَ حبيبٌ عندَ ذلكَ وخرَّ مغشيا عليه.
وكانَ السريُّ يقول: رأيتُ الفوائدَ تردُ في ظلامِ الليلِ.
وقالَ أبو سليمان: إذا جنَّ الليلُ وخلا كلُّ محبٍّ بحبيبهِ افترشَ أهلُ المحبةِ
أقدامَهُم ، وجرتْ دموعُهم على خدودهِم ، أشرفَ الجليلُ جل جلالهُ فنادَى يا جبريلُ بعيني من تلذذَ بكلامي واستروحَ إلى مناجاتي ، نادِ فيهم يا جبريلُ ما
هذا البكاءُ هل رأيتُم حبيبًا يعذِّب أحباءَهُ أم كيفَ يجملُ بي أن أعذِّبَ قومًا إذا
جنَّهُمُ الليلُ تملَّقُوني ، فبي حلفتُ ، إذا قدِموا عليَّ يوم القيامةِ لأكشفنَّ لهمْ
عن وجهي ، ينظرونَ إليَّ وأنظر إليهم.
وسئلَ الحسنُ البصريُّ لم كانَ المتهجدون أحسنُ الناس وجوهًا ؟
قال:
لأنَّهُم خلَوا بالرحمنِ فألبسَهُم نورًا من نوره.
رأتِ امرأةٌ من الصالحاتِ في منامِهَا كأنَّ حللاً قد فرِّقتْ على أهلِ مسجدِ
محمدِ بنِ جحادةَ ، فلما انتهَى الذي يفرِّقها إليه دعَا بسفطٍ مختومٍ فأخرجَ منه
حلةً صفراء ، قالت: فلم يقُمْ لها بصرِي فكساهُ إياها وقال: هذه لكَ بطول
السهرِ ، قالتْ: فواللَّهِ لقد كنتُ أراه - تعني محمدَ بن جحادةَ - بعد ذلكَ
فأتخايلُها عليهِ - تعني: تلكَ الحلةَ - .
قالَ كرزُ بنُ وبرةَ: بلغَنِي أنَّ كعبا قالَ: إنَّ الملائكةَ ينظرونَ من السماءِ إلى
الذينَ يتهجدونَ بالليلِ كما تنظرونَ أنتم إلى نجومِ السماء.
يا نفسُ فازَ الصالحونَ بالتُّقى ... وأبصرُوا الحقَّ وقلبي قد عمِي
يا حُسْنَهُم والليلُ قد أجنَّهُم ... ونورُهُم يفوقُ نورَ الأنجم